المصري
حتى الآن لم يفك أحد شفرة شخصية المواطن المصري.. لم يعرف أحد من أين يأتيه الجبروت والشجاعة والقدرة على المواجهة ولو على حافة «الموت»، إنه في لحظة يمتلك إرادة التغيير مهما كان الثمن.
لم يصبر الشعب المصري على حكم جماعة «الإخوان» الإرهابية عاماً واحداً، صحيح أن طوابير الهجرة كانت تصطف أمام السفارات الأجنبية.. لكن باقي فئات الشعب تجمّعوا -دونما اتفاق- للثورة على «الفاشية الدينية».
لم ولن يحدث في تاريخ مصر أن يجتمع الشعب بمختلف فئاته على «الثورة» ولو بتوقيع استمارة «تمرد»، إلا في 30 يونيو 2013، ساعتها كنت أظهر في الفضائيات (أنا وآخرون)، لنصف المعزول «محمد مرسي» بالخيانة.. ولم يكن أحدنا يعرف مصيره.. فهل كانت «شجاعة اليائس»، أم كان الأمل في استعادة الوطن؟
كان كل منا يشعر بأن «وجوده» قد انتهى، فبعدما سيطرت عصابة الإخوان على الحكم، قرّرت (إما أن تحكمنا أو تقتلنا)!
كنا نعيش في «حظر اختياري»، لا نشعر بـ«الأمان»، فأنت عرضة لرصاصة طائشة من ميليشيات «أحمد المغير».. وكانت عصابة الإخوان الإرهابية تتاجر فينا و«محمد بديع» يتلقى المليارات من أمريكا، (التي حقّق فيها الكونجرس) لبيع «سيناء» لإسرائيل.. ويتقبّل الدعم المهول من الخارج ليبيع لهم «قناة السويس».. حتى أصبح الوطن عاصمة «التنظيم الدولي للإخوان»، واستوطنت الكيانات الإرهابية بالفعل في «سيناء».. ثم أعلنت ولاءها لـ«داعش».
كانت مصر تضيع، والأوطان تتساقط من حولنا.. وكان «زعيم عصابة الإخوان» يسعى لأخونة مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها: (الشرطة والقضاء والإعلام).. لولا وقفة المستشار «أحمد الزند»، وزير العدل سابقاً، الذي أصبح صوته وقوداً للثورة، وهو يفنّد (على الهواء) كل الادعاءات الباطلة لـ«مرسي وعصابته»، ويكشف جرائمهم التي يحاسبون عليها اليوم، وأولها «التخابر مع عناصر أجنبية».
تذكر -معي- مشهد حصار «المحكمة الدستورية العليا»، والوقفة الصامتة لوكلاء النيابة لعزل «النائب العام الملاكي» للإخوان، وعصف الإخوان بالدستور بإعلان دستوري «شبه إلهي» يعطي كل الصلاحيات لأراجوز الإخوان «مرسي»، والفتوى الشهيرة التي منحته حق تولي القضاء! وحصار مدينة الإنتاج... إلى آخر مصائب الإخوان.
فإن كنت نسيت القائمة السوداء لاغتيال كل من حارب «الفاشية الدينية».. فلن تنسى قطعاً عملية «اقتحام السجون»، ولا الفوضى التي اجتاحت البلاد، عقب ثورة 25 يناير!
أنت وأنا، وغيرنا من ملايين الشعب، لم يجبرنا أحد على الخروج ونحن «عزل» في مواجهة ميليشيات الإخوان، ليزلزل «الغضب الشعبي» أركان الاتحادية: (يسقط حكم المرشد).. لقد خرجنا «تلقائياً» دون أن نعرف هل سينحاز لنا الجيش ومعه الشرطة أم سنواجه برصاص «الخرطوش»؟ خرجنا دون دعم أو وعد أو سند.. لندافع عن وطن آمنا به، وأيقنا أنه وقع في قبضة «قراصنة العصر».
في هذه المرحلة، كان مكتب الإرشاد قد أشاع أن الفريق أول -آنذاك- «عبدالفتاح السيسي» ينتمي للإخوان، ورأينا بأنفسنا «سحل صابر» أمام الاتحادية، حتى تملكنا اليأس من أن يكون لنا ظهير من الجيش أو الشرطة ليحمينا، كانت النكات السياسية التي نتجرّعها مُرة ونحن نرى «خيرت الشاطر» يتحدّث باسم مصر في الصين.. و«عزة الجرف» تحاول إلغاء مكتسبات المرأة وتطلق كذبتها الكبيرة «مرسي مدعوم من الله».. كان الضغط والتوتر أكبر من أن أصفه أو أكتبه.
حتى وجّه الإخوان أكبر إهانة للمصريين «شعباً وجيشاً»: (قتلة السادات يحتفلون بنصر أكتوبر، دعوة مرسي للجهاد في سوريا.. إلخ).. وكان الهم أكبر من أن نحصيه، لكن لا بد أن نتذكره وأن نحفظه عن ظهر قلب ونرويه لأولادنا وأحفادنا ليصونوا هذا البلد «إنها سنة كبيسة مخصومة من عمرنا».
بعدها كان المشير «عبدالفتاح السيسي» -آنذاك- يستمع إلى أطول خطاب رئاسي ألقاه «مرسي» على يومين، مُمسكاً بيده منديلاً، يوحي بأنه تعمَّد عدم التصفيق حتى لمغازلة «مرسي» للقوات المسلحة، تلك التي كان كل قياداتها داخل القاعة.. وبحكم سكني كنت أعلم أن حجم الطائرات التي تحلّق في سمائنا لا يخص موكب الرئيس، ولا رجاله فقط.. مع نظرة «السيسي» بدأت الكاريزما السياسية تعلن عن وجودها.. وكانت «لغة الجسد» كفيلة بأن يعرف الشعب أن الجيش في ظهره يؤيد اختياره ويباركه، وأن القوات المسلحة لن تقبل بسياسة «إما نحكمكم أو نقتلكم».
وصلت هذه اللقطة الذكية التي التقطتها عدسات المصورين إلى قلوب وعقول المصريين، أدركنا جميعاً دونما اتفاق أو حوار أن «الجيش نصير الشعب».. وفي يوم 30 يونيو ألقت طائرات المراقبة الجوية التابعة للقوات المسلحة بأعلام مصر على المتظاهرين في ميدان التحرير، وهو ما أكد بوضوح تأييد جهازي الشرطة والقوات المسلحة للشعب الذي يطالب برحيل مرسي... كان الجيش المصري هو حائط الصد الأخير، وهو الجيش الذي لم نفقد ثقتنا فيه يوماً.. جيش متماسك صلب لا يعرف الطائفية ولا المذهبية، لا ينحاز إلا للشعب.. «ميري.. ملكي»: أنت مصري.