الأبعاد الاجتماعية للثقافة الشعبية

يوسف القعيد

يوسف القعيد

كاتب صحفي

هذا كتاب مهم أهدته لي الثقافة الجماهيرية، ورغم أنه يقع في 277 صفحة من القطع المتوسط، إلا أنه يُباع للقارئ العادي بأربعين جنيهاً، ولا أستطيع أن أحكم هنا إن كان المبلغ كبيراً أم معقولاً، فالأزمة الاقتصادية تمسك بخناق الناس كلهم، وشراء الكتب قد يكون ترفاً في بعض الأحيان، ولكني رغم هذا أقول إن الأربعين جنيهاً مبلغ عادي يمكن للقارئ العادي أن يدفعه، خاصة إن كانت له اهتمامات بالثقافة والفكر والفن، وفي الثقافة بالذات يكون مهتماً بالثقافة الشعبية.


وصاحب الكتاب الدكتور عبدالحكيم خليل هو أستاذ العادات والمعتقدات والمعارف الشعبية بالمعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون، وهو في هذا الكتاب يستكمل ما بدأه في كتبه الأخرى عن الثقافة الشعبية، ليؤكد أهمية تحليل وتفسير ممارسات وأنماط سلوكيات الجماعة الشعبية في محيطهم الاجتماعي الإنساني، وذلك باختيار مجموعة من موضوعات الثقافة الشعبية، التي تتجلى من خلالها ما يميز هذه الجماعة ويبرز هويتها، ويدعم خصوصيتها داخل المجتمع المصري.


هذا الكتاب المهم يقدم أربعة موضوعات، الأول: الأبعاد الاجتماعية لثقافة الطعام، من حيث الواجب والمجاملات الاجتماعية وكرم الضيافة، والعيش والملح بوصفهما رمزاً للصداقة مع عرض البُعد الطبقي الاجتماعي، ودور المرأة والبُعد الثقافي للأطعمة التقليدية، والكتاب يصف العلاقة بين الطعام التقليدي والعولمة.


أما الموضوع الثاني فهو يدور حول الدلالات الاجتماعية الثقافية لاحتفاليات الحج، وذلك من خلال عرض مظاهر الاستعداد لرحلة الحج، ومظاهر الاحتفال بتوديع الحجيج وتعبيراتهم فوق جداريات الحج المختلفة، مع عرض العادات المستحدثة في الحج وأيضاً عودة الحجيج واستقبالهم، وما يوزعونه على ما يذهبون إليه من سُبحٍ وهدايا.


أما الأمر الثالث في الكتاب المهم فهو يدور حول الأبعاد الاجتماعية للتصوف، من خلال التعرف إلى التصوف والتشكيل الاجتماعي، ودور الطرق الصوفية والخدمات المجتمعية، وصاحب الكتاب يستشهد في بعض الطرق الصوفية الداعمة بهذه الاتجاهات، بوصفها منهجاً تربوياً عند الشيخ عبدالقادر الجيلاني، الذي يدعم قيم العمل والتعاون والتسامح وقبول الآخر، والتنشئة الاجتماعية، وذلك كله في إطار الطريقة الحامدية الشاذلية.


والموضوع الأخير الذي يعرضه هذا الكتاب المهم ظاهرة الأخذ بالثأر، من حيث محاولة قراءة دلالاتها الاجتماعية، لنتعرف من خلال مفهوم مجتمع الثأر بالصعيد وخصائصه وما يميزه، ولماذا تُقدِّس الجماعات القرابية الثأر؟ وصاحب الكتاب يوضح أسباب انتشار عادة الأخذ بالثأر ومبرراتها، أيضاً يتوقف أمام دور المرأة الصعيدية في الثأر الذي يبدأ من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، ويتوقف أمام النصوص الأدبية الشفاهية من الرثاء والعديد، منتهياً بعرض الآثار الاجتماعية لجريمة الأخذ بالثأر.


وصاحب الكتاب يختم مقدمة كتابه بهذه العبارة الجميلة:
- الله أسأل أن يلهمني الصواب ويغفر لي الزلل والخطأ والنسيان، وله الحمد في الأولى والآخرة.
ويعتبر أن الثقافة تُعد من أكثر الموضوعات التي يدرسها الباحثون والدارسون غموضاً، وإن كانت أكثرها تداولاً بل وشيوعاً، وذلك لأن الموضوع يرتبط بالإنسان والمجتمع معاً، حيث يعتبر مفتاحاً لفهم وتحليل الأنماط السلوكية لدى ذلك الإنسان أو المجتمع.


ولأن مفهوم الثقافة غالباً ما يطلق على التراث الشعبي للمجتمع الذي يُنقل من الجيل الحالي إلى الجيل اللاحق، مع شيء من الإضافات والتعديلات بما يتفق والظروف الحاضرة للأجيال الجديدة، انطلاقاً من أن لكل مجتمع تراثه الاجتماعي والثقافي الذي يرتضيه ويتقبله أفراده الذين ينضوون تحت لوائه.


إن الثقافة حسب هذا الكتاب تشتمل على عناصر بعضها صريح مُعلن، يكون أفراد المجتمع على وعي بها، وبعضها كامن أي مُضمر يتمثله الأفراد دون أن يكونوا على وعي به، حيث يمكن النظر إلى الثقافة بوصفها نظاماً متكاملاً من العناصر والمستويات الثقافية، وهذه العناصر إما معرفية تتعلق بالحياة والمجتمع، وإما أنماط إيمانية تتعلق بالحياة والكون، إلى جانب العادات والتقاليد والقيم والمعايير التي تسود في هذا المجتمع أو ذاك، ومدى تأثيرها في أبناء هذا المجتمع.
إن الكتاب رحلة جميلة مع الثقافة الشعبية.