الشجرة الملعونة

يشير المفسرون إلى أن «الشجرة الملعونة في القرآن» هي شجرة الزقوم التي تمثل طعام الأثيم. يؤكد مفسر كبير مثل «القرطبي» هذا المعنى ويضيف إليه معنى آخر مُلفتاً يقول فيه إن هذه الشجرة «بنو أمية»، أي شجرة العائلة الأموية، وهو يستثني من هذه العائلة: عثمان بن عفان، وعمر بن عبدالعزيز، ومعاوية بن أبي سفيان. وقد جاء ذلك في سياق تفسير «القرطبي» للآية الكريمة من سورة «الإسراء» والتي يقول تعالى فيها: «وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ». يقول «القرطبي»: رأى النبي في المنام بني مروان ينزون (يقفزون) على منبره نزو القردة، فساءه ذلك فقيل: إنما هي الدنيا أعطوها، فسرى عنه.

يبدو هذا التفسير عجيباً، لكنه لا يخلو من دلالة، فوجود أشخاص أو عوائل معينة في صدارة المشهد قد يسبب نوعاً من الفتنة لدى الناس، والفتنة هنا ببساطة تعني الانقسام والصراع الناتج عن تناقض المصالح وتضارب الآراء، تماماً مثلما يختلف الناس وينقسمون على بني أمية، والأصل في الانقسام هنا هو حالة «اللخبطة» التي يمكن أن يضعك فيها الأداء «المختلط» الذي يخلط بين الأعمال الصالحة والأعمال السيئة.. قال تعالى: «وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ». وذلك ما تجده حاضراً بالضبط في التجربة الأموية، ففي أفعال الكثير من خلفائها ما يستوجب التحفظ والحيرة في موقفهم مما أمر الله تعالى به وما نهى عنه، بل والغضب أحياناً على الأفعال الخطيرة لبعضهم، مثل قتل الإمام الحسين سبط رسول الله على يد جنود يزيد بن معاوية، ومع ذلك فسوف تجد من يدافع بحرارة وحمية عن هؤلاء الخلفاء الذين نشروا الإسلام في أصقاع الأرض، وهو ما حدث فعلاً.

يكفي لكي ندرك خطر الفتنة أن نلاحظ أن الانقسام في الرأي والمواقف نحو «الشجرة الأموية» ما زال يؤثر على الواقع الحالي الذي يعيشه المسلمون، فشجرة الفتنة شجرة ملعونة حين تتجذر في الأرض، وتُفرد غصونها على البشر، وتتكاثر أوراقها، وتنتقل ثمارها عبر الأجيال، ليسلمها كل جيل إلى الجيل الذي يليه. وقد لا نكون مبالغين إذا قلنا إن الكثير من جوانب اللعنة في حياتنا يحكمها هذا الانقسام. فالهزيمة -على سبيل المثال- ملعونة، ولو أنك تأملت أي هزيمة فستجد أن هناك انقساماً حول المسؤول عنها، والفشل ملعون والكل يهرب من أبوته، وكأنه وُلِد يتيماً وهكذا.

الشجرة الملعونة شجرة الأذى، أو الشجرة التي تنبث ثمراً مؤذياً تعافه النفس ويهرب منه الناس. فكل ما هو مؤذٍ في هذه الحياة تلحق به اللعنة، لأنه يثير الفتنة بين الناس، ولو أنك تأملت القول المأثور: «الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها» فستجد أن العلاقة بين الفتنة واللعنة علاقة أساسية. الشجرة الملعونة في القرآن تحمل معنى مجازياً على كل أذى يحيق بالبشر في هذه الحياة بسبب الفتنة.