هل كان الإخوان سيتظاهرون لدعم شرعية أي رئيس غير مرسي؟.. السؤال الذي أنقذ «عبد المعطي» من السجن
هل كان الإخوان سيتظاهرون لدعم شرعية أي رئيس غير مرسي؟.. السؤال الذي أنقذ «عبد المعطي» من السجن
في السجن، حيث اختباره الأصعب ونقطة تحوله العبقرية كما يصفها، ينعزل المرء مع نفسه كثيراً، في وحدته داخل ظلام السجن يرى نوراً يشق الطريق له وحده، يحرر عقله من كل ما التصق به من ثوابت، راجع «رجب عبد المعطي» في شهور السجن الموزعة على عامين كل مواقفه ومر أمامه شريط حياته كاملاً، كان يقارن بين ما يعتقد وما يحدث على أرض الواقع، البدايات لا تفضي إلى هذه النتائج، وما تحدث عنه التنظيم كثيراً من أفكار حول المشروع الإسلامي وإدارة الدولة وأنظمة الحكم، فشل على يد محمد مرسي بطريقة توقف أمامها عاجزاً عن التبرير.
ففي عام حكم التنظيم من خلال «مرسي»، واجه شباب الجماعة كثيراً من الأزمات، ودخلوا في صدامات مع الجميع؛ الناس والمؤسسات والقضاة، لم يكن له دور في هذا العام سوى تنفيذ أمر واحد بصيغات مختلفة «تظاهروا لدعم مرسي»، كان الأمر يأتيهم بطريقة تناسب حالة عدم الرضا التي يشعر بها الشباب تجاه أداء الرئيس الإخواني، لم يكن نصرة لشخصه، كان التكليف بصيغة قبلية «استحالة الريس بتاعنا يسقط، ده شرعيتنا وممثلنا حتى لو أخطأ».
في الحبس الاحتياطي الإخوان حاولوا السيطرة على السجن واختلفوا حول من يتولى زعامة الأسر في كل زنزانة
يتذكر «رجب» فترة من أصعب فتراته في قبور الإخوان، تلك التي شهدت بوادر 30 يونيو، وخاصة في القرى والمحافظات، حيث أطلقت الجماعة نفيراً عاماً تطالب فيه كل أعضائها بالتمركز حول المقرات وحمايتها بالروح والدم، مقار مكتب الإرشاد ومقار حزب الحرية والعدالة في كل محافظة، لم يكن وقتها صاحب قراره، بل مجرد منفذ للتعليمات التي تأتيه من مسؤول الأسرة في القرية، وبدوره ينقلها لشباب المرحلة الثانوية الذين جندهم في الأسرة، يومها صنفته الجماعة بالمتخاذل حين أعلن أنه لا يجيد إشعال الشماريخ ولا حمل الشوم ولا ضرب العصا، شاهد الشباب يفعلون هذا ووقف عاجزاً عن مجاراتهم، وهو الأمر الذي لم ينسه قيادات الجماعة داخل السجن، وتسبب في ملاحقتهم له وضغوطهم عليه، إذ اكتشف أنهم يريدون تحويل السجن لأسرة صغيرة وشعب، كل زنزانة تمثل شعبة لها قيادة وتدرج، وهو ما اعتبره أقصى درجات شهوة الحكم والسيطرة، حيث لم تخل فترة السجن من خلافات بين القيادات المسجونة حول مَن له حق القيادة والهيمنة على أعضاء التنظيم المسجونين معه، وهو ما كان أحد أسباب الصحوة لدى «رجب» وعدد من رفاقه، حيث رفضوا إدارة الإخوان لهم في السجون بعد الفشل الذي أحرزوه في إدارة الجماعة كجزء والبلد ككل.

ثورة «30 يونيو» التي استردت خريج كلية العلوم: سألت نفسي هل كان عناصر جماعة الإخوان سيتظاهرون لدعم شرعية أي رئيس غير محمد مرسي؟.. والإجابة كانت سبب خروجي من «التنظيم»
حين خلا «رجب» إلى نفسه داخل الزنزانة نظر حوله بتمعن، الجدران الباردة والظلام الدامس والوجوه التي لا يميزها بعد غروب الشمس دفعته للحديث مع نفسه «ليه أنا هنا.. في سبيل ماذا أو في سبيل من؟».. كانت الإجابة صعبة وعصية، لكنها لم تكن أصعب من إجابته عن هذا السؤال: «لو لم يكن محمد مرسي هو اللي في الحكم وكان يوجد أي من الـ11 مرشحاً، وثار الشعب ضده، ماذا كانت موقف جماعة الإخوان؟».. هل سينتصر الإخوان لشرعية الحاكم أياً كان انتماؤه؟، وأمام الإجابة التي استخلصها بنفسه كان قراره بأنه هذا فراق أبدي بينه وبينهم.. قالها بثبات لأنه كان يعرف تاريخهم جيداً، فهو العضو «اللي مش فالح غير في القراية»، والذي توقف كثيراً عند التاريخ الانتقائي الذي كان يفرض عليهم، ليكتشف بنفسه أن كل ما قرأه من تاريخ الإخوان مدلس أو موضوع أو يصدر صورة ذهنية بعينها منافية للحقيقة، تفيد بأنهم قدموا تضحيات وخاضوا محنًا، وحين يسأل: ما أسباب التضحيات، وما مظاهر هذه المحن؟ لا يسمع سوى الصمت صوتاً.
اعتذار للأم.. ورسالة تحذير لكل من يقترب من التنظيم
اعترف «رجب» بذنبه العظيم لأمه، كان مديناً لها بالاعتذار، لأنه لم يستمع لصوتها وهي تنصحه بالبعد عن الجماعة الملعونة، لكنه قرر أن يهب كل وقته للتكفير عن هذا الذنب وتوعية كل من سقطت قدماه في وحل التنظيم، يفخر بأن يديه لم تتلوّثا كثيراً، وأنه كان مسؤولاً عن تجنيد شباب ثانوي، فقبل أن يبدأ هؤلاء فهم الإخوان والاندماج فيهم، قامت ثورة يونيو وأزالت ذكرهم من وجدان المصريين، فعاد الشباب أدراجهم مواطنين عاديين لا يحملون مشروعاً ولا ينتمون لجماعة أو تنظيم، وهو الأمر الذي يتكئ عليه في توضيح رحلته مع الجماعة ثم التنظيم، وهو أنه لا يوجد هذا النموذج في أي دولة في العالم، وأكثر الدول ديمقراطية لا توجد بها جماعات سرية معترف بها، جماعة سرية في عرف الدول تعني عملاً خارجاً عن القانون، ويستدل على هذا بموقف الإخوان أنفسهم خلال عام حكمهم المشؤوم «لم تتقبل الجماعة وجود جبهة الإنقاذ ولا أي نشاط لمجموعات تمارس العمل السياسي والذي كان معلناً وقتها، فما بالنا بعمل سياسي سري له تمويل خارجي وأجندة دولية بحكم أن له فروعاً في عدد من الدول؟.

لا أحد يسأل التنظيم عن التمويل «من أين يأتي ولماذا؟».. لكن المؤكد أن كل هذا الإنفاق لا يأتي من اشتراكات الأعضاء
أي دولة طبيعية يمكن أن تقبل هذا النموذج الشيطاني العجيب؟».. وعلى سيرة التمويل، يقف «رجب» حائراً أمام أسئلة كثيرة حوله، لم يسألها وقتها بحكم التغييب، لكنه وما إن فاق من سباته حتى انتبه إلى كارثة التمويل «من يدفع لمن ولماذا؟».. وهو السؤال الذي لا يفضي إلى إجابة منطقية داخل التنظيم، فمن المستحيل أن تكون اشتراكات الأعضاء هي مصدر التمويل في الجماعة، صحيح أن نظام الدفع كان يتم بصورة نسبة من راتب كل عضو لا تقل عن 5%، لكن حتى هذا في نظره لا يبرر الإنفاق الرهيب والمبالغ فيه للجماعة في كل المصارف التي كانوا يبدون فيها مظاهر التكافل مع الأعضاء.