سامح فايز يكتب: من السياسة إلى الرصاص

كتب: محرر

سامح فايز يكتب: من السياسة إلى الرصاص

سامح فايز يكتب: من السياسة إلى الرصاص

تكشف الهزائم الكبرى حقيقة التنظيمات أكثر مما تكشفها سنوات الصعود. فالانتصارات تمنح الجميع القدرة على إخفاء تناقضاتهم، أما لحظات السقوط فتدفع كل تيار إلى إظهار ما كان يُخفيه. ولم تكن «الثلاثون من يونيو» مجرد نهاية لعام من حكم جماعة الإخوان، بل كانت بداية مرحلة جديدة فى تاريخ مصر، شهدت انتقال المواجهة من المجال السياسى إلى موجة من العنف استهدفت مؤسسات الدولة ورجالها ومرافقها.

واجهت الدولة المصرية بعد عزل الرئيس الإخوانى محمد مرسى تحدياً مزدوجاً؛ فمن ناحية كان عليها إدارة مرحلة انتقالية معقدة، ومن ناحية أخرى كانت مطالبة بمواجهة تصاعد ملحوظ فى العمليات الإرهابية التى استهدفت أفراد القوات المسلحة والشرطة والقضاء، إلى جانب منشآت حيوية. وخلال تلك المرحلة أعلنت النيابة العامة ووزارة الداخلية، فى أكثر من قضية، ضبط خلايا وتنظيمات اتُهمت بالتخطيط أو التنفيذ لعدد من هذه العمليات، كما صدرت أحكام قضائية فى قضايا ارتبط بعضها بتنظيمَى «حسم» و«لواء الثورة»، اللذين صنفتهما العديد من الدول العربية والغربية تنظيمين إرهابيين.

اختلفت العمليات فى أماكنها وأساليبها، لكن نمطها كان متشابهاً؛ اغتيالات، وعبوات ناسفة، واستهداف لأكمنة أمنية، ومحاولات لتعطيل مرافق عامة، وهجمات على شخصيات قضائية وأمنية. ولم تكن هذه الوقائع مجرد أحداث متفرقة، بل شكلت جزءاً من موجة إرهابية استهدفت إنهاك الدولة وإرباك المجتمع فى واحدة من أخطر الفترات التى مرت بها البلاد بعد عام 2013.

طرحت هذه المرحلة سؤالاً لم يكن مطروحاً بالحدة نفسها من قبل: ماذا يحدث عندما يفشل تنظيم عقائدى فى تحقيق أهدافه عبر العمل السياسى؟ لا يقدم علم السياسة إجابة واحدة، لكن خبرات دول عديدة تشير إلى أن بعض التنظيمات قد تشهد داخلها تيارات تدفع نحو التصعيد والعنف عندما تغلق أمامها مسارات العمل العلنى. وفى الحالة المصرية، ارتبط هذا الجدل بظهور ما عُرف إعلامياً وأمنياً بـ«اللجان النوعية»، وهو مصطلح ظهر مع تولى اللجنة الإدارية العليا شئون الجماعة، فبراير 2014، بقيادة عضو مكتب الإرشاد محمد كمال.

أثرت تلك الموجة على المجتمع كله، ولم تقتصر آثارها على المؤسسات الأمنية. فقد دفعت قطاعات واسعة من المصريين ثمن سنوات من القلق والاستهداف، بينما تحولت مكافحة الإرهاب إلى أولوية رئيسية للدولة، صاحبتها تعديلات تشريعية، وتطوير فى آليات المواجهة الأمنية، وتنسيق أكبر بين مؤسسات إنفاذ القانون. ومع مرور الوقت تراجعت وتيرة العمليات بصورة واضحة، وهو ما عكسته البيانات الرسمية وانخفاض عدد الحوادث الإرهابية مقارنة بسنوات الذروة.

تفرض ذكرى الثلاثين من يونيو قراءة هذه المرحلة بعيداً عن الشعارات، لأن التاريخ لا يُكتب بالانطباعات، بل بالوقائع. والوقائع الثابتة فى الأحكام القضائية المصرية والبيانات الرسمية تؤكد أن البلاد واجهت بعد عام 2013 موجة عنف واسعة، وأن مواجهتها لم تكن معركة سياسية فقط، بل معركة أمنية دفعت فيها الدولة والمجتمع ثمناً باهظاً.

ولهذا لا تقتصر أهمية يونيو على أنه غيّر خريطة الحكم، بل لأنه شكل أيضاً نقطة البداية لمرحلة من المواجهة مع الإرهاب، انتهت بتراجع كبير فى نشاط التنظيمات المسلحة، بعد سنوات من التضحيات التى قدّمها رجال القوات المسلحة والشرطة، وسقط خلالها مدنيون أبرياء كانوا هدفاً مباشراً أو غير مباشر لذلك العنف.

تبقى دراسة تلك السنوات ضرورة وطنية، ليس لإحياء الجدل حول الماضى، وإنما لفهم كيف يمكن أن تتحول الخلافات السياسية، إذا اقترنت بالتطرف ورفض قواعد الدولة، إلى مسار ينتهى بالعنف. فصيانة الذاكرة لا تقل أهمية عن صيانة الأمن، والوعى بما جرى يظل أحد الضمانات الأساسية لعدم تكراره.