القسوة.. وأوهام الواقع
قسوة الواقع تحفز الفرد على الاستسلام للأوهام. فالواقع المعيش يمارس ضغوطاً على الفرد قد تصرفه عن قبول الحقيقة وإيثار الوهم. فحين يسيطر الموروث على تفكير الناس تجدهم أميل إلى القفز والتحليق بعيداً عن الواقع.
هذا الموروث قد يكون فكرة فى كتاب أو مثلاً سمعه الفرد من آبائه أو أجداده. على سبيل المثال: المثل الذى يقول: «اللى تعرفه أحسن من اللى متعرفوش»، يدفع المتلحف به إلى قبول الأوهام دون بحث أو تفكير، فلو بحث وفكّر الإنسان فلربما وجد أن «اللى ميعرفوش» يحمل قيمة حقيقية، وأن «الذى يعرفه» هو الوهم بعينه.
المسألة ليست فقط فى الموروث كعدسة يمكن أن ينظر الفرد من خلالها إلى الواقع، فتشوش رؤيته وتجعلها غير دقيقة، مما يؤدى إلى قبول الوهم والقفز على الواقع، بل تتمدد إلى الظروف التى يعيشها الإنسان. فعلى سبيل المثال تجد أغلب من وقعوا فى براثن «المستريحين» هم أناساً تقبلوا فكرة وهمية بسبب الأوضاع المعيشية السائدة، فالتضخم يزيد، وقيمة الفلوس تقل، والشغف بمواجهة هذه المعادلة العكسية يدفع صاحبها إلى تصديق الوهم الذى يروجه هذا أو ذاك بأنه سيعطيه فوائد غير عادية على أصل ماله الذى سيدخره عنده، الإنسان فى مثل هذه الأحوال يستسلم للوهم دون تفكير أو إعمال عقل، وهو لا يستفيق إلا حين يدرك أنه تعرض لعملية نصب ممنهجة.
وقد تجد فى هذا الطرح تفسيراً لتلك المسألة المحيرة، التى تجعل الناس يشترون الوهم من المستريحين، رغم ما تنشره وسائل الإعلام من أخبار حول ما يقومون به من عمليات نصب على الناس، فما أن يختفى مستريح حتى يظهر مستريح جديد؛ لأن الزبون المستعد لشراء الوهم دائماً موجود.
قسوة الألم قد تدفع الإنسان أيضاً إلى العيش فى الوهم، وإلا بماذا نفسر قبول البعض للتركيبات الدوائية التى تعلن عنها قنوات بير السلم؟ البعض على سبيل المثال يشترى الأوهام التى تبيعها الإعلانات عن هذه الأدوية، فيصدق أن هذا الدهان أو المرهم أو الأقراص سوف تداوى العظام التى أوهنها الزمن ومرور العمر، فأعجزت صاحبها عن المشى ومرونة القيام والقعود، ويصدّق شيخاً هدّه الزمن أو عجوزاً بالية يرددان أن الدواء دفع الشيخ إلى أن ينزل السلم هرولة، وأن يلعب الكرة مع الأحفاد، ويجعل العجوز صبية عندها الاستعداد للزواج.
اليأس من الواقع يدفع صاحبه أيضاً إلى تبنى الأوهام والاستسلام لها، فحين تتعقد الحياة تنتشر القناعات الوهمية بأن هذه هى الأقدار، وأنه لا جديد تحت الشمس، ولا شىء يهم، وأن ليس فى الإمكان أبدع مما كان، وهكذا، وسيطرة الوهم المدفوع باليأس على العقل تؤدى إلى المزيد من الإرباك والتعقيد فى معطيات الواقع والحياة.
العقل الذى تسكنه أفكار غادرها الواقع، والمتوجع بضغوط الواقع وآلامه، واليائس من المستقبل، هو الأكثر استعداداً لقبول الأوهام والاستسلام لها.