الذكرى الـ13 لنزع السم
في محيط قصر الاتحادية، وأمام نادي هليوبوليس في مصر الجديدة، الحشود تنتظر تحليق الطائرات. المرة الأولى التي سمعنا فيها صوت الطائرات تقترب فيما ينبئ بأنها تحلق على ارتفاعات قريبة، سادت لحظات من القلق والترقب. إنها الأيام الأولى لبدء نزول المصريين إلى الشوارع رافعين في قلوبهم راية «يا روح ما بعدك روح». اقتربت الطائرات، ونظرت الحشود صوب السماء، ثوان بدت كأنها دهور. اتضحت معالم الطائرات، واتضح علم مصر الذي يرفرف من كل منها. هنا صاح الجميع، وقفز الكبار قبل الصغار فرحاً، والجميع يلوح بعلم مصر. قلوبنا أخبرتنا أنها طائرات مصر، وجيش مصر، وأبناء مصر. الجميع يتنفس الصعداء. وبدلاً من مشاعر التوتر والقلق وكأننا في حرب، سرت طمأنينة مصرية أصيلة في قلوب الجميع. إنها الجموع التي كانت تفتح باب بيوتها كل يوم، في مثل هذا الوقت في عام 2013، وتتجه صوب ميدان أو شارع، لتطالب بإسقاط حكم الجماعة.
الغريب أن أغلب الهتافات، والنقاشات في هذه التجمعات لم تكن تتحدث عن محمد مرسي، بل عن الجماعة. إنها الجماعة التي تاجرت بالدين والثقافة والعقول والقلوب، وشوهت الدين وطوعته لتخدم أهدافها وأهداف آخرين. إنها الجماعة، وأيديولوجيتها، وكوادرها وكبارها وأشبالها ونساؤها ورجالها، الذين يمثلون كياناً مختلفاً عن مصر والمصريين.
لم أشعر يوماً أن هناك فئة من المصريين تختلف عن عموم الشعب. تتعدد المعتقدات والانتماءات والطبقات والتوجهات والآراء والاختيارات، لكن نبقى كلنا في نهاية الأمر مصريين. أما هؤلاء، فقد نجحوا نجاحاً باهراً في صناعة هوية عجيبة غريبة قبيحة قائمة بذاتها معتمدة على القساوة والخبث والملاوعة. إنه الشعور الذي جمع هذه الملايين من المصريين في شوارع مصر وميادينها في مثل هذه الأيام قبل 13 عاماً. أعود من العمل يومياً، أتوجه إلى محيط الاتحادية سيراً على الأقدام لمسافة تبلغ نحو ستة كيلومترات في حرارة يونيو ويوليو القائظة. أكره الحر، ويصيبني أحياناً بإنهاك يشبه المرض. ورغم ذلك، أمشي المسافة يومياً بلا تردد أو تعب.
ومنذ الظهور الأول للطائرات في سماء محيط الاتحادية ونادي هليوبوليس، والجموع الغفيرة تنتظرها كل مساء. كان الظهور المطمئن بدون كلام أو إعلان، وبدون اتفاق مسبق بين الناس. وظل الأمر على هذا الحال حتى جاء يوم 3 يوليو 2013. في هذا اليوم، تأخر ظهور الطائرات عن المعتاد. وبدأ القلق يسود بين الجماهير المحتشدة. وجوم، وخوف، وتكهنات بما يمكن أن يحدث. ولا أتذكر أيهما حدث أولاً، ظهور الطائرات الذي طال انتظاره، أم انتشار خبر أن وزير الدفاع المعلقة عليه آمال المصريين من الناجين من قبضة فكر الجماعة للنجاة، يلقي بياناً. وقد كان. جاء بيان الخلاص من الفريق الأول عبدالفتاح السيسي لتزول الغمة، ويستعاد الأمل. في كل عام، أتذكر خلع ضرس الإخوان، وتتوالى الذكريات، وانتظار تحليق الطائرات، وخطاب الخلاص، وكأنها كانت بالأمس القريب.
اليوم، وبعد مرور 13 سنة بالتمام والكمال، لا أكتفي بالنظر إلى مصر فقط، بل أنظر إلى دول الإقليم والعالم، وأقول: سبحان من له الدوام. كل هذه القوى والدول والمنظمات والجمعيات التي كانت تبذل كل ما في وسعها، وأحياناً ما ليس في وسعها، لتحاول إجبارنا على هضم الجماعة، وقبول قبضتها، وابتلاع سمومها، أين أصبحت اليوم؟ وكيف تغيرت رؤيتها للجماعة «الوطنية الديمقراطية السياسية الدينية الوسطية»؟
كيف تغيرت سياسة الاحتضان السياسي، والدعم الاستراتيجي، والتعضيد المعنوي، والمساندة متعددة الأوجه لهذه الجماعة السامة لتصبح اليوم جماعة سياسية غير بعيدة عن الإرهاب وانتهاج العنف وتهديد الأمن والسلم في هذه الدول؟ كيف تغيرت المواقف من اعتبارها جماعة يحق لها ممارسة السياسة لأنها سلمية و«كيوت»، إلى جماعة وجب تقليص تمويلها، وتحجيم وجودها، والكشف عن شبكات علاقاتها بأبناء عمومها من جماعات وأفراد تعرض المجتمعات المضيفة لخطر الإرهاب وتهديد السلم العام.
فجأة، أصبح «الإخوان» (وبالطبع الأخوات) شبكة عابرة للحدود، لها أفرع وجذور وكيانات مولودة من رحمها، تهدد الأمن القومي، وتنذر بالخراب، وتقوض الديمقراطية، وتفتت المجتمع.
دروس مستفادة، وخبرات مكتسبة. وفي الذكرى الـ13 لخطاب الخلاص، خطاب 3 يوليو، نذكر أنفسنا أن الجماعة وأبناء عمومها من كيانات تخلط الدين بالسياسة، ومهما اختلفت المسميات، لا تموت أو تختفي. فقط تدخل في بيات اضطراري، وتستعد لمعاودة القنص ما إن تحين اللحظة المناسبة. وأبناء الجماعة وبناتها لا يختفون أو يتبخرون في الهواء، ولا يكتبون كلمة «النهاية» أمام أفكار وأيديولوجيا تربوا عليها، وكبروا في كنفها. فقط يتوارون عن الأنظار، أو ينشطون من خلف الشاشات ويبثون سمومهم عبر السوشيال ميديا أملاً في نقل عملية البث إلى الشارع.
الفكر لا يحارب إلا بالفكر، والسموم لا تتبخر في الهواء. دولة مدنية خالصة هي الحل، ولا حلاً سواها.