ناصر عبدالرحمن يكتب: من هاجر إلى؟!.. من الشخصية المصرية (5).. الخيول المهاجرة (2)
ناصر عبدالرحمن يكتب: من هاجر إلى؟!.. من الشخصية المصرية (5).. الخيول المهاجرة (2)
ما زلنا مع حكايات المهاجر الثانى لمصر بعد النيل الساحر.. الذكى.. الخفيف.. السريع.. النبيل.. الحصان، والذى قد سبق وأشرنا فى المقال السابق إلى أنه جاء مع الهكسوس، ورغم أنه جاء مع مهاجرين إلا أن الحصان مهاجر جاء إلى مقصده.
فى الحضارة اليونانية حصان مجنح له جناحان هو «بيغاسوس» وهو مرتبط بالشعر.
فى الحضارة الآشورية والفارسية خيول مجنحة فى الزخارف والأساطير.
فى مصر القديمة ظهر الحصان المجنح فى الفن الزخرفى.
فى السيرة الهلالية سافر أبوزيد الهلالى إلى مصر من الجزيرة العربية، وهم من الأشراف الذين قرروا الذهاب إلى تونس حتى يُخرجوا أشرافهم من قيد وحبس الزناتى خليفة.
أثناء هذه الرحلة وهم على ظهور الخيل استقر بعض بنى هلال فى صعيد مصر وعاشوا فى الجنوب إلى الآن.
الخيل من أيام الهكسوس إلى اليوم، تأتى سلالات من كل مكان تستقر فى حضن الأرض، وتستقر بعد هجرة فى مصر.
فى الجيش المصرى سلاح الفرسان، وهو سلاح متطور منذ مصر القديمة، فقد استخدم المصرى القديم الخيل.
الأرض المصرية «كيمت» هى الأرض الحاضنة التى تستقبل المهاجر وتجعله فى امتزاج كعجين نفس واحد، يأكل من أرضها السوداء الثمر، ويشرب من نيلها الماء العذب، ويأمن فى حضرتها (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين).
يتحول المهاجر إلى مصر، من مصر القديمة، إلى عاشق ودود يُصبغ بالحب من صبغة مصر حتى يصير منها.. حدث للحصان هذا الأمر، تحول من حصان مهاجر إلى حصان مصرى، تجده فى سلاح الفرسان بالجيش المصرى له تميزه واختلافه حتى إن ضباط سلاح الفرسان وعساكره وكل من يتعامل مع الحصان يكتسب اختلافاً وصفات متبادلة مع الخيل.
تجد الحصان خلال عصور الدولة القديمة والوسطى تم استخدامه بشكل مختلف فى الحروب، فى استخدامه فى العربة الحربية ذات العجلتين، وكان سلاحاً متطوراً له الغلبة والقوة، وكان أبرز العناصر الحربية التى جعلت أحمس يطرد الهكسوس من مصر.
فى التراث والفنون الشعبية تجده فى الأفراح المصرية مكانته حاضرة لم تتغير، المزمار المصاحب للحصان وهو يرقص بصحبة صاحبه يتابعه المعازيم فى نشوة وفرحة وهم يختارون هذا ويرفضون هذا.
يرشحون هذا الفارس على فارس آخر حتى يظهر الفارس الذى يليق بالحصان ويتفرد.
الحصان ليس رمزاً للشجاعة والحرب والبسالة والسرعة فقط، لكنه أصبح فى الأحلام له مكانة، وعند الفتاة المصرية بالذات له خصوصيته، الأمير فوق الحصان الأبيض حلم كل عروس وخيال كل أنثى حالمة.
للحصان فى التراث الشعبى رسوخ ومفهوم، وللحصان فى مخيلة الفتاة المصرية حضور وقوة وخصوصية.
الحصان فى مصر دليل على الغنى والعزة والرفعة، ودليل على الجذور، ودليل على النسب العالى والرقى.
رغم مرور السنين وتغير الأحوال إلا أن الأرض كيمت التى هى معجونة بالشخصية المصرية تجعل كل مهاجر إليها له طابع وذوق وحضور مصرى مهما كان جذر هذا المهاجر، يصبح باختلاطه وهجرته وعجنه فى الأرض المصرية مصرياً يحمل صفات المصرى وتكمن فى قلبه عيون الماء العذب.
النيل مصرى حضنه البحر المتوسط جعل الإسكندرية تختلف عن كل مدينة على البحر المتوسط بتميزها واختلافها ومزيجها بالنيل.
كذلك الحصان الذى هاجر إلى مصر القديمة عاش على أرضها حتى أصبح حصاناً مصرياً حتى لو كان جذره عربياً أو إنجليزياً.
■ ■ هكذا مصر تصنع الألفة والامتزاج مع كل مهاجر يأتى إليها بشرط الحب لا الكره، ولنكمل باقى رحلتنا فى كتابى الجديد (من هاجر إلى؟!).