بإبرة وخيط «جميل» يرمم المصاحف الممزقة فى «غزة» مجانًا
بإبرة وخيط «جميل» يرمم المصاحف الممزقة فى «غزة» مجانًا
في زمن الحرب، حين يفقد الناس بيوتهم وأحلامهم، يختار البعض أن يتمسك بما يمنحهم الأمل، وبين ركام المنازل المدمرة وآثار الحرب وصفحات المصاحف الممزقة، يجلس الحاج جميل مقداد، البالغ من العمر 71 عامًا، ليعيد ترميم ما أفسدته الحرب بعناية وصبر، ليس بحثًا عن مقابل، بل إيمانًا بأن خدمة كتاب الله صدقة لا تنقطع، فبعد أن فقد مطبعته وأجبر على النزوح، عاد ليحول ألمه الشخصي إلى رسالة إنسانية، يعيد من خلالها الحياة إلى المصاحف التي انتُشلت من تحت الأنقاض، ويمنح أصحابها شيئًا من الطمأنينة وسط كل هذا الخراب.

من تحت الأنقاض إلى أيدي المصلين.. جميل يعيد ترميم المصاحف الممزقة
يملك الحاج جميل مطبعة ومكتبة صغيرة، وكان يقضي سنوات عمره في العمل إلى جانب أبنائه، لكن الحرب قلبت حياته رأسًا على عقب، إذ اضطر مع أسرته إلى النزوح لأكثر من شهرين، تاركين خلفهم كل شيء، وعندما خف القصف وعادوا إلى المنطقة بعد الهدنة، كانت الصدمة في انتظارهم، فقد وجدوا مطبعتهم محترقة ومدمرة، ورغم الخسارة، لم يستسلم الرجل السبعيني، عاد إلى المكان الذي شهد سنوات عمره في غزة، وبدأ من جديد، ليس بحثًا عن الربح، وإنما لخدمة الناس وكتاب الله.


بألم ممتزج بالرضا والصبر، يقول الحاج جميل، لـ«الوطن»، إنّ عمله في ترميم المصاحف أصبح بالنسبة له تسلية وصدقة جارية في الوقت نفسه، وإنه يقوم به ابتغاء مرضاة الله وخدمة الأهالي: «بخدم الناس لوجه الله».
كل يوم، يجلب إليه الناس مصاحف ممزقة أو متضررة، بعضها أُخرج من تحت أنقاض المنازل المقصوفة، والآخر من المساجد التي تعرضت للدمار، يجلس الحاج جميل بهدوء وصبر، يطالع المصحف التالف، ثم يبحث عن نسخة أخرى سليمة، ويصور الصفحات المفقودة أو الممزقة بنفس المقاس والطباعة، قبل أن يعيد تركيبها يدويًا في مكانها الصحيح: «بحاول أرمم ما أفسدته الحرب».

رحلة جميل مع ترميم الصاحف
المهمة لا تنتهي هنا فبعد ذلك، يقوم بتفكيك المصحف بالكامل، ثم يعيد خياطته يدويًا من البداية، حرصًا على ألا تتمزق صفحاته مرة أخرى، في عمل يتطلب ساعات طويلة من الدقة والجهد: «يخيطه بحكمة علشان ما يتقطعش تان».


ندرة المصاحف، وتعطل المطابع، وصعوبة إدخال نسخ جديدة من القرآن الكريم، دفعت الحاج جميل إلى تكريس وقته لهذا العمل الإنسانى، ليعيد الحياة إلى المصاحف المتضررة ويضعها مجددًا بين أيدي المصلين وأهالى مخيمى الشاطئ والشيخ رضوان، غير متوقعًا أن تتحول صورته التى التقطت له أثناء جلوسه في المسجد بعد صلاة الجمعة، إلى قصة ملهمة يتداولها الآلاف على مواقع التواصل الاجتماعى لكنه، رغم كل هذا الاهتمام، لا يرى نفسه بطلًا، بل رجلًا بسيطًا وجد طريقته الخاصة في مقاومة الحرب، عبر ترميم صفحات كتاب الله، وإعادة الأمل إلى قلوب الناس: «أنا مش بطل أنا بعمل حاجة لله ومتوقعتش انتشار صورتى».
