بحر غزة يجمع العائلات في أول مصيف منذ الحرب.. «استراحة محارب»
بحر غزة يجمع العائلات في أول مصيف منذ الحرب.. «استراحة محارب»
في مدينة غزة، يمتد البحر الأبيض المتوسط كما لو أنه الصفحة الوحيدة التي لم تُطوَ بعد من كتاب طويل من الحرب، هناك يمتزج صوت الموج بصمت أثقل من المعتاد، ويتجمع الناس من جديد بعد الحرب التي توقفت مؤقتًا في 2025، وبهذا المشهد الذي يبدو للوهلة الأولى كأنه عودة إلى الحياة الطبيعية، يتكشف معنى مختلف تمامًا لـ«المصيف»، حيث إنها ليست عطلة صيفية عادية، بل هي أول تجمع بحري واسع منذ أكتوبر 2023.

أطفال غزة يستمتعون بالبحر
وحسب المصور الفلسطيني مجدي فتحي، الذي وثّق المشهد، ففي الصباح الباكر، وصلت عائلات من غزة تحمل ما تبقى من متاعها، وبعض الخبز، ووجوهاً لم تكتمل فيها ملامح الراحة منذ شهور. الأطفال يسبقون الكبار بخطواتهم، يركضون نحو الماء، كما لو أنهم يكتشفون مياه البحر لأول مرة: «تحس إن الأطفال أول مرة ينزلوا الميه، تركوا الخيام المهترئة وفروا إلى البحر هاربين من ارتفاع درجات الحرارة».
الصور تُظهر آلاف الناس يملأون الماء حتى الأفق القريب، أجساداً تتحرك في كل اتجاه، أطفالاً يركضون في الأمواج، وشباباً يقفزون في الماء، بينما يمشي الناس على الرمال كأنهم يبحثون عن لحظة تنفّس وسط ذاكرة ثقيلة لا تهدأ، حسب «ماريا مصلح»: «منذ الحرب، ماشفناش يوم شبه ده، كأن الناس قررت فجأة إنها لازم تتنفس، حتى لو النفس كان صعب، المهم الأطفال تنبسط».

في كل زاوية من شاطئ غزة، قصة صغيرة؛ طفل يتعلم السباحة وسط ضحكات متقطعة وخوف مكتوم، وشاب يحمل أخاه الأصغر على كتفيه ليبعده عن موجة أعلى من اللازم، وامرأة تجلس على الرمل تراقب بصمت، وكأنها تحاول استيعاب فكرة أن البحر ما زال موجوداً، وأن الحياة لم تختفِ تماماً، حسب «رامي عسقول»: «فقدت 3 من أبنائي في الحرب، فجيت علشان ما تبقى منهم، مش عايزاهم يفضلوا محبوسين في الحزن، حتى لو ساعة على البحر، بتفرق، بنضحك وبنلعب، بس فيه جزء جوانا مش هنا، كأننا بنجرب نعيش فوق جرح لسه مفتوح».
عائلات غزة على الشاطئ
خلف هذا المشهد الحيوي، هناك معنى آخر لـ«المصيف»، إذ لم يكن اختياراً ترفيهياً بقدر ما هو مساحة بديلة للحياة التي تضررت. البيوت المتضررة، وضيق الأماكن العامة، وغياب الحدائق والمرافق، كلها دفعت الناس إلى البحر كملاذ جماعي. البحر هنا ليس رفاهية، بل ضرورة نفسية واجتماعية، حسب «محمود الأسطل»: «بنحاول نخطف لحظات سعادة مع ارتفاع حرارة الجو، اليوم كان حلو والشاطئ مليان، وأطفال غزة اجتمعوا مع بعضهم كأنها لحظة عودة مؤقتة، بنحاول نصدق أن العودة الكاملة ممكنة».

على امتداد الشاطئ في قطاع غزة، كرة تُرمى بين الأطفال، ومجموعات صغيرة تغني، وآخرون يلتقطون صوراً بهواتف بسيطة لتوثيق لحظة تبدو عادية لكنها ليست كذلك في سياقها، وأصوات الضحك تختلط بنداءات الأمهات، ورذاذ الماء يلمع تحت شمس الغروب، لكن خلف ذلك كله ظل الحرب لا يزال قريباً في الذاكرة، حسب «فارس الدهدار»: «عِشنا يوماً لطيفاً سيظل محفوراً في الذاكرة كما حُفرت كل أيام الحرب في ذاكرة الأطفال قبل الكبار، ونتمنى أن تهدأ أصوات الصواريخ والرصاص، وأن تعود الحياة في غزة كما كانت قبل 2023».
مع اقتراب نهاية اليوم، يبدأ الشاطئ في الهدوء تدريجياً، العائلات تجمع أغراضها، والأطفال يرفضون المغادرة حتى اللحظة الأخيرة. البحر يظل كما هو، ليبقى أول مصيف بعد الحرب كأنه إعلان غير مكتوب بأن الناس، رغم كل ما فقدوه، ما زالوا قادرين على الاستمتاع، وفق «الدهدار»: «بنقول للناس نحن هنا.. نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً».