«الأوكتاجون» وعبقرية البقاء
ما هو الأوكتاجون؟ إنَّه، في أبسط تعريفاته الهندسية، بناء يُقام على ثمانية أضلاع متساوية، تلتقي جميعها لتُحيط بمركز واحد، مُشكِّلةً هذا الشكل المثمَّن الذي يجمع بين التناظر والاتزان، ولكن، هل تقف حقيقة الأشياء عند حدود الهندسة؟ إنَّنا إذ نتأمل هذا البناء الحضاري الذي افتتحه الرئيس السيسي، لا نرى فيه مجرد هندسة معمارية فحسب، بل نرى فيه تجسيداً لحكمة التاريخ المصري الممتد وفلسفة الدولة المصرية. فكأنَّ قيادة الدولة أرادت أن تُخبرنا -بغير كلمات- أنَّ كيان الدولة لا يقوم على عمود واحد يسهل كسره، ولا على استقامة منفردة، بل على هذا التكامل بين ثمانية أضلاع متساندة؛ يتوسطها الشعب الذي هو قلب الوطن، وتتحد فيها عناصر القوة لتجعل من البناء -بكل ما يحمله من دلالة مكانية ورمزية- صرحاً لا تضيره العواصف، ما دامت هذه الأضلاع متماسكة حول مركزها، وما دام هذا التناظر هو القاعدة التي تضبط إيقاع الأمة في مسيرتها نحو المستقبل.
وإذا كان هذا «المثمَّن» في هندسته يمثل حالة من التوازن التام، فإننا لكي نفهم جوهر مصر اليوم، ينبغي علينا أن نفكك هذه الأضلاع؛ لنرى كيف يُترجِم كل ضلع منها معنى من معاني الوجود المصري العريق.
فلنبدأ بالضلع الأول، وهو الجيش المصري؛ ذلك الذي لا نتحدث عنه كمؤسسةٍ عمرها عشرات السنين، بل كأحد أقدم الجيوش النظامية في تاريخ الإنسانية. يوم أن نجح الملك نارمر في توحيد القطرين، لم يكن يوحِّد أرضاً فحسب، بل كان يؤسس لفكرة الدولة المركزية التي تحتاج إلى قوة تحميها وتحفظ وحدتها. وحين جاءت جحافل الهكسوس، أدرك المصريون أن الحضارة بلا قوة تحرسها تصبح غنيمة للغزاة، فنهضوا بقيادة أحمس، وطردوا المحتل، وأقاموا إمبراطورية امتدت إلى أعماق آسيا وأفريقيا. ثم جاءت عصور أخرى حمل فيها الجيش المصري عبء الدفاع عن الأمة، وفي العصر الحديث، أعاد محمد علي بناء الجيش على أسس جديدة، فصار أداة لبناء الدولة الحديثة، ثم جاءت معارك القرن العشرين؛ من فلسطين إلى حرب العدوان الثلاثي عام 1956 إلى حرب الاستنزاف إلى نصر أكتوبر، إلى الانتصار لإرادة المصريين في ثورة الثلاثين من يونيو لتؤكد أن الجيش المصري ليس مؤسسة حرب فقط، بل هو مستودع الإرادة الوطنية، وأنه في اللحظات الفاصلة يتحول إلى الضمانة الأخيرة لبقاء الدولة.
ومن الجيش وقوته إلى الضلع الثاني وهو الشرطة وأجهزة الأمن، تلك التي لا تقل عراقة عن سابقتها؛ فالمصريون القدماء عرفوا تنظيم الأمن قبل أن تعرفه أمم كثيرة، لأن الدولة المركزية لا يمكن أن تقوم بلا نظام يحفظ الاستقرار ويصون الحقوق. ولقد أدرك المصريون عبر تاريخهم أن الفوضى ليست مجرد اضطراب أمني، بل هي طريق لانهيار العمران كله. وما إن تغيب هيبة القانون حتى تنكمش التجارة، وتخاف الأسر، وتتوقف عجلة الحياة. ولعل السنوات التي شهدت فيها مصر اضطراباً أمنياً أثبتت بصورة عملية أن المجتمع قد يختلف في السياسة، لكنه لا يستطيع أن يعيش يوماً واحداً بلا أمن.
أما الضلع الثالث، فتتجلى فيه خصوصية مصر بأبهى صورها، حيث المؤسسات الدينية، وعلى رأسها الأزهر الشريف الذي أصبح أعظم مراكز العلم الديني في العالم الإسلامي، فقد ظل يصنع حالة من التوازن الروحي والفكري. وحين احتلت فرنسا مصر، كان علماء الأزهر في مقدمة المقاومة الشعبية، وحين اندلعت ثورة عام 1919 خرج الهلال مع الصليب في مشهد لا يزال واحداً من أعظم مشاهد الوطنية المصرية. والكنيسة المصرية بدورها ليست مؤسسة دينية وحسب، بل هي جزء أصيل من التاريخ الوطني؛ فقد وقفت دائماً في الصف الوطني عندما تعرضت الدولة لأخطار وجودية. ومن خصوصية مصر أن الأزهر والكنيسة لم يكونا يوماً متواجهين، بل كانا في أغلب محطات التاريخ كتفين يحملان وطناً واحداً.
ثم يأتي القضاء، ذلك الضلع الرابع الذي يمنح الدولة معناها الأخلاقي. فالمصريون القدماء أقاموا حضارتهم على فكرة «ماعت»، أي الحق والعدل والنظام. ولم يكن الملك عندهم حاكماً مطلقاً، بل كان مكلَّفاً بإقامة العدل. ومع تطور الدولة المصرية الحديثة، نشأت مدرسة قضائية عريقة أصبحت نموذجاً في المنطقة العربية. وحين يطمئن المواطن إلى أن حقه يمكن أن يعود إليه بحكم قضائي، فإنه يزداد انتماء للدولة، لأن العدالة ليست مجرد نصوص، بل هي رابطة ثقة بين الإنسان ووطنه.
أما الضلع الخامس فهو الأسرة المصرية، فهي المؤسسة التي تحملت ما لا تستطيع أي مؤسسة أخرى أن تتحمله. كم من أزمات اقتصادية عصفت بالبلاد، وكم من حروب ومحن، ومع ذلك ظلت الأسرة المصرية قادرة على الاحتمال وإعادة إنتاج الأمل. وفي قلب هذه الأسرة تقف المرأة المصرية؛ تلك التي وقفت على ضفاف النيل في العصور القديمة، ثم شاركت في ثورات العصر الحديث، وحملت عبء البيت والعمل والتربية، حتى أصبحت بحق أحد أعمدة الصمود الوطني.
ويأتي التعليم والبحث العلمي، وهو الضلع السادس الذي يصنع المستقبل. فمصر القديمة لم تكن تبني المعابد والأهرامات بقوة الساعد فقط، بل بالعلم والهندسة والحساب والفلك أيضاً. وفي العصور الإسلامية أصبحت القاهرة واحداً من أهم مراكز المعرفة في العالم. ثم جاءت نهضة القرن التاسع عشر لتؤسس المدارس الحديثة والبعثات العلمية والجامعات. والحقيقة التي أثبتها التاريخ هي أن الأمم التي تتخلف عن ركب العلم لا يطول بقاؤها في صفوف الدول الكبرى مهما امتلكت من ثروات.
أما الاقتصاد فهو الضلع السابع، فهو لغة الحياة اليومية. إن النيل نفسه صنع عند المصريين أول فكرة للدولة الاقتصادية المنظمة؛ لأن تنظيم المياه والزراعة والري استلزم وجود إدارة وقدرة على التخطيط. ومنذ ذلك الوقت، أدرك المصريون أن العمران لا يقوم إلا بالعمل والإنتاج. وحين ضعف الاقتصاد في مراحل من التاريخ ضعفت الدولة، وحين ازدهر الإنتاج اتسعت قدرة مصر على الحركة والتأثير. ولذلك فإن العامل في مصنعه، والفلاح في أرضه، والمستثمر في مشروعه، جميعهم جنود في معركة الاستقلال الوطني.
ويبقى الضلع الثامن للأوكتاجون المصري، وهو الثقافة والفنون والإعلام. وقد يبدو هذا الضلع أقل صلابة من غيره، لكنه في الحقيقة الأكثر نفاذاً إلى روح الأمة. فما الذي جعل ملايين العرب ينظرون إلى مصر بوصفها الشقيقة الكبرى؟ لم يكن الجيش وحده، ولا الاقتصاد وحده، وإنما تلك القوة الناعمة التي خرجت من كتاب وأغنية ومسرحية وفيلم وقصيدة. الثقافة هي التي تصنع الصورة الذهنية للأمة، وهي التي تحصِّن الوعي من الانهيار. وما من حرب حديثة إلا وبدأت بمحاولة السيطرة على عقول الناس قبل السيطرة على أراضيهم.
ولسنا نبالغ إذا قلنا إنَّ «الأوكتاجون» بهذا المعنى ليس مجرد صرحٍ شُيِّد في قلب العاصمة الجديدة، بل هو تجسيد لعبقرية البقاء. لقد رأينا في التاريخ إمبراطوريات تهاوت، ودولاً ذابت حين اعتمدت على ركيزةٍ واحدة، أما مصر، فقد أبت إلا أن تكون كالمثمَّن المتساند، حيث يشدُّ كل ضلع عضُدَ أخيه، في توازن دقيق.
إنَّ الأوكتاجون بهذا ليس حصناً يُعزل عن الناس، بل هو الدرع التي تُصان خلفها أحلام المصريين، والوعاء الذي يجمع شتات قوتهم، ليبقى هذا الوطن عصياً على الفناء، متفرداً في قدرته كحقيقة أبدية تتحدى الزمن.