عمرو أحمد يكتب: «الإخوان» وإيران.. تحالف الضرورة وحدود البراغماتية

كتب: محرر

عمرو أحمد يكتب: «الإخوان» وإيران.. تحالف الضرورة وحدود البراغماتية

عمرو أحمد يكتب: «الإخوان» وإيران.. تحالف الضرورة وحدود البراغماتية

لم تكن العلاقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجماعة الإخوان المسلمين يوماً تحالفاً عقائدياً خالصاً، بقدر ما كانت تعبيراً عن براغماتية سياسية فرضتها موازين القوى وتحولات الإقليم. فعلى الرغم من التباينات المذهبية والفكرية بين الطرفين، أدركت طهران منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 أن مشروعها الإقليمي يحتاج إلى حلفاء خارج الدائرة الشيعية، بينما رأت جماعة الإخوان في الثورة الإيرانية تجربة ناجحة لوصول تيار إسلامي إلى السلطة، يمكن الاستفادة منها بوصفها نموذجاً سياسياً أكثر منها نموذجاً مذهبياً.

ومن هذا المنطلق، جعلت الجمهورية الإسلامية دعم حركات الإسلام السياسي أحد مكونات سياستها الخارجية، مستندة إلى المادة (154) من الدستور الإيراني التي تنص على دعم «المستضعفين». ومع محدودية الامتداد الشيعي في العالم الإسلامي، بدا الانفتاح على بعض الحركات الإسلامية السنية خياراً منطقياً، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، التي كانت آنذاك التنظيم الأكثر انتشاراً وتأثيراً في العالم العربي.
غير أن هذه العلاقة لم تسر على وتيرة واحدة، بل مرت بمراحل متباينة، انتقلت خلالها من التقارب إلى الفتور، ثم إلى التنافس، وصولاً إلى مراجعات إيرانية عميقة بشأن جدوى استمرار الرهان على الجماعة.


وتعود البدايات الأولى للتقارب إلى ما قبل الثورة الإيرانية نفسها، عندما تأسست عام 1947 في القاهرة «جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية»، بمشاركة حسن البنا والعلامة محمد تقى القمي، في محاولة لبناء مساحة مشتركة بين المذاهب الإسلامية. وفي تلك المرحلة، شهدت العلاقة محطات لافتة؛ فقد سعى حسن البنا وآية الله أبوالقاسم كاشاني إلى الإعداد لمؤتمر للوحدة الإسلامية في القاهرة أو طهران، إلا أن اغتيال البنا أنهى المشروع قبل أن يرى النور. وبعد اغتياله، عرض سعيد رمضان على كاشاني تولى قيادة الجماعة، لكنه اعتذر.


كما عززت زيارة نواب صفوي، زعيم حركة «فدائي الإسلام»، إلى القاهرة عام 1954، من أجواء التقارب بين الطرفين، قبل أن تبلغ العلاقة ذروتها عقب نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، عندما أبدت جماعة الإخوان تأييداً واضحاً للثورة، واعتبرتها نموذجاً للدولة الإسلامية، ونشرت كتاب «الخميني: البديل الإسلامي»، كما انتقدت استضافة مصر للشاه محمد رضا بهلوي، في مؤشر على حجم الرهان الذى كانت الجماعة تضعه على التجربة الإيرانية في تلك المرحلة.


لكن الحرب العراقية - الإيرانية مثلت أول اختبار حقيقي لهذا التقارب. ففي بدايتها، انحازت جماعة الإخوان إلى الموقف الإيراني، واعتبرت أن الحرب تستهدف القضاء على التجربة الإسلامية الوليدة. إلا أن استمرار الحرب، وتوسع العمليات العسكرية داخل الأراضي العراقية، وتصاعد المخاوف العربية من النفوذ الإيراني، دفع الجماعة إلى مراجعة خطابها تدريجياً، خاصة مع تنامي البعد المذهبي للصراع، وتزايد المخاوف من تصدير الثورة الإيرانية إلى المنطقة.


ورغم ذلك، لم يدم الفتور طويلاً. فمع التحولات التي أعقبت حرب الخليج، وتصاعد الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، عادت المصالح المشتركة لتقرب بين الجانبين. وخلال فترة تولى مهدى عاكف منصب المرشد العام، اتخذت الجماعة مواقف مؤيدة للبرنامج النووي الإيراني، وصدرت عنه تصريحات عكست انفتاحاً أكبر تجاه إيران، بما يعكس تغليب الحسابات السياسية على الخلافات المذهبية.


غير أن نقطة التحول الكبرى جاءت مع وصول جماعة الإخوان إلى الحكم في مصر، وصعودها السياسي في عدد من الدول العربية بعد أحداث عام 2011. فقد بدا للوهلة الأولى أن الطرفين يتجهان نحو مرحلة جديدة من التعاون، لكن الواقع أثبت العكس؛ إذ اصطدمت طموحات المشروعين، وبرز التنافس على النفوذ والقيادة داخل المجال الإسلامي.


وتجلى هذا التباين بوضوح في الموقف من الأزمة السورية، حيث وقفت طهران إلى جانب نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، بينما اتخذ الرئيس المصري الأسبق محمد مرسى موقفاً داعماً للمعارضة السورية، وأعلن قطع العلاقات مع دمشق. وهنا أدركت إيران أن وصول الإخوان إلى السلطة لا يعنى بالضرورة اتساع دائرة نفوذها، بل قد يؤدى إلى ظهور مشروع سنى منافس يمتلك شرعية شعبية وقدرة على مزاحمة مشروع «ولاية الفقيه» في قيادة المنطقة.


ومنذ تلك اللحظة، بدأت داخل إيران مراجعات استراتيجية بشأن العلاقة مع جماعة الإخوان. وبرز اتجاه يدعو إلى الحفاظ على قنوات الاتصال مع الجماعة، دون دعم وصولها إلى الحكم مجدداً، في مقابل اتجاه آخر رأى أن الأولوية ينبغي أن تكون لبناء علاقات مستقرة مع الدول الوطنية ومؤسساتها، باعتبارها أكثر قدرة على تحقيق المصالح الإيرانية من التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود.


وقد عززت التحولات الكبرى التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة هذا الاتجاه، ولا سيما بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية وما فرضته من إعادة ترتيب لأولويات الأمن القومي الإيراني. فقد أصبحت طهران أكثر حرصاً على إدارة علاقاتها مع القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر والسعودية ودول الخليج، وعلى الحفاظ على مسار التفاهمات مع الولايات المتحدة، وهو ما قلل من أهمية الرهان على جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان.


وهكذا، تكشف مسيرة العلاقة بين إيران والإخوان أن البراغماتية كانت العامل الحاكم لها منذ البداية. فما جمع الطرفين لم يكن وحدة العقيدة، بقدر ما كانت تقاطعات المصالح، وما فرقهما لم يكن الخلاف المذهبي وحده، بل تعارض الحسابات الاستراتيجية عندما تحول كل طرف إلى منافس للآخر على النفوذ والقيادة. ومن ثم، فإن مستقبل هذه العلاقة سيظل مرهوناً بقدرة المصالح المشتركة على تجاوز تناقضات السياسة، لا بتقارب الأفكار أو الشعارات.
----
** كاتب وباحث مصري، خبير الشئون الإيرانية بالمنتدى الاستراتيجي.
** مجلة الوطن العربي - العدد التاسع.


مواضيع متعلقة