معتز علي يكتب: كسبنا الاحترام والوعي.. وترحيبٌ بدرس المونديال القاسي
معتز علي يكتب: كسبنا الاحترام والوعي.. وترحيبٌ بدرس المونديال القاسي
انتهت رحلة المنتخب الوطني المصري في بطولة كأس العالم، وأُسدل الستار على مواجهات كروية حبست أنفاس الملايين وعشنا معها أياماً طويلة من الأمل، والترقب، والشغف.
ورغم أن المحصلة الرقمية الأخيرة لم تأتِ بما تشتهيه سفن الأحلام المصرية، ورغم مرارة الخروج والهزيمة التي تركت غصة طبيعية في حلق الجماهير، إلا أنّ المشهد الحقيقي والعميق الذي صاغه الشعب المصري في الشوارع، والميادين يستحق منا وقفة تأمل طويلة. إنّها قراءة مغايرة تتجاوز الحسابات الضيقة للمكسب والخسارة داخل المستطيل الأخضر، لتغوص في دلالات سيكولوجية واجتماعية بالغة الأهمية.
بداية صنعت الأمل.. وحوار مجتمعي فريد
لا يمكن لنا ونحن نرصد تفاصيل هذه التجربة المونديالية أن نغفل تلك الحالة الإيجابية والمعنوية الهائلة التي صاحبت بدايات البطولة. لقد قدم الفراعنة في انطلاقتهم أداءً مشرفاً ونتائج واعدة، أثبتوا من خلالها أن الكرة المصرية تمتلك الجينات القادرة على مقارعة الكبار ومجاراتهم في أكبر محفل رياضي عالمي. هذا الأداء الرجولي لم يكن مجرد استعراض فني أو تكتيكي، بل كان بمثابة وقود حيوي أشعل الطموح في نفوس أمة بأكملها.
والأجمل من ذلك، هو ذلك الحوار المجتمعي العفوي والراقي الذي دار بين أفراد الشعب على مختلف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية؛ فالكل أصبح محللا، والكل بات مساندا. اختفت الفوارق وتلاشت الخلافات اليومية، لتهيمن لغة واحدة هي لغة الدعم والالتفاف حول هدف وطني جامع، مما عكس وعياً جماهيرياً ونضجاً في التعامل مع الرياضة بوصفها مشروعاً قومياً يمس كبرياء الدولة.
الدرس الأكبر: العلم واللون الأحمر يجمعان الأمة
إن الهزيمة في عالم الرياضة هي جزء من قواعد اللعبة، لكن الانتصار الحقيقي والمستدام هو ما شهدته مصر في عمق بنيتها الاجتماعية؛ فالدرس الأبرز والمستفاد من هذه الملحمة، هو ذلك الارتباط الوثيق والوجداني للشعب المصري بجميع أجياله وأعماره بهويته الوطنية وعلمه الغالي.
لوحة بشرية باللون الأحمر
على مدار أيام البطولة، تحولت القرى والمدن المصرية من الدلتا إلى الصعيد إلى لوحات بشرية تفيض بالانتماء. اكتست الشوارع باللون الأحمر المميز، ولم يكن هذا مجرد ارتداء لقميص رياضي، بل كان إعلاناً صريحاً عن الهوية والتضامن.
شوارع تتزين بالفخر
ارتفعت الأعلام المصرية لتزين الشرفات، وواجهات المحلات، والسيارات، في مشهد مهيب يؤكد أنّ هذا العلم هو المظلة التي يستظل بها الجميع.
تلاحم يتجاوز الأرقام
تجد الطفل الصغير يقف بجوار الشيخ الطاعن في السن، كلاهما يحمل نفس الملامح المترقبة، ويطلق نفس الآهة مع كل فرصة ضائعة. هذا التلاحم أكد للجميع أنّ علاقة المصري ببلده وعلمه لا تحركها نتيجة مباراة عابرة، ولا تنتهي بصافرة حكم، بل هي طاقة حب وانتماء كامنة ومتجذرة في القلوب تظهر بوضوح في الأوقات الكبرى.
قد يخسر المنتخب مباراة في كرة القدم أو يغادر بطولة عالمية، لكن الوطن يكسب دائما عندما تتجلى وحدة شعبه، وتتحول الساحرة المستديرة من مجرد لعبة ترفيهية إلى مرآة تعكس نبل المعدن المصري، وأصالته، وقدرته على الصمود.
مرارة الخروج.. ووعي الجماهير
بالتأكيد، حملت الهزيمة معها مشاعر من الحزن والإحباط، وهو أمر مشروع يعكس حجم الطموح الذي كان يملأ الصدور. ولكن الوعي الذي أظهره المواطن المصري بعد الخروج كان لافتاً؛ فلم يكن حزناً هداماً، بل كان حزناً مغلفاً بالاحترام للأداء المشرف والجهد البذل. لقد أدرك الشعب أن هذه النخبة من اللاعبين حاربت بشرف، وأن الرياضة تعطي من يعطيها، وأن التوفيق قد يغيب في لحظات حاسمة لكن الروح القتالية لا تغيب.
نحو المستقبل: البناء على المكتسبات المعنوية
إن القيمة الحقيقية لهذه المشاركة المونديالية لا يجب أن تُقبر مع إعلان خروجنا من البطولة، بل تكمن في كيفية تحويل هذه الروح المعنوية العالية إلى طاقة بناء حقيقية للمستقبل.
وهنا يأتي «الدرس القاسي» الذي نرحب به؛ فالخروج المر ليس نهاية المطاف، بل هو مرآة كاشفة تضع أيدينا على مواطن الخلل بوضوح لا يقبل التجميل. إن الوعي الذي اكتسبه الجمهور يفرض اليوم خطوة شجاعة من القائمين على المنظومة الرياضية؛ لتصحيح المسار، ودراسة الأخطاء، وإعادة التخطيط بشكل علمي ومدروس للمنافسات القادمة؛ فالهزيمة لا تكسر الأمة الواعية، بل تصقلها.
أما المظهر الحضاري، والبهجة التي عاشها الشارع، وحالة الالتفاف غير المسبوقة حول العلم المصري، فهي المكتسبات الأغلى والأثمن التي يجب أن نحافظ عليها ونستثمر فيها في كافة مناحي الحياة؛ فالشعب الذي يتوحد خلف فريقه في الخسارة قبل المكسب، هو شعب يمتلك من الوعي ما يجعله قادرا على مواجهة التحديات كافة.
لقد غادرنا البطولة بأجسادنا، لكننا باقون بروحنا وتلاحمنا. تحية تقدير وإعزاز للمنتخب المصري على ما قدمه من أداء مشرف، ومبروك لمصر هذا الشعب العظيم الذي يثبت في كل محفل وبشكل قاطع، أنّ خسارة مواجهة في كرة القدم لن تنال من عزيمته، وأنّ راية الوطن ستستمر دائما مرفوعة، خفاقة، ومحفورة في القلوب قبل الشرفات.