«العلمين» مصرية وأهلها مصريون

أمجد مصطفى

أمجد مصطفى

كاتب صحفي

هناك أشخاص لا يستطيعون رؤية مشهد جميل دون أن يبحثوا عن عيب فيه، ولا تمر مناسبة سعيدة إلا ويحاولون انتزاع البهجة منها. وكأن الفرح في بلادنا أصبح يحتاج إلى مبررات، بينما الاعتراض لا يحتاج إلى أي منطق. عندما استقبلت مدينة العلمين نجوم المنتخب المصري العائدين من كأس العالم التي أقيمت في كندا والمكسيك والولايات المتحدة، كان المشهد بسيطاً وعفوياً، جماهير جاءت لتحيي أبناءها الذين رفعوا اسم مصر في محفل عالمي، وأسر خرجت لتشارك في لحظة وطنية جميلة، وشباب أرادوا أن يلتقطوا صورة أو يهتفوا باسم لاعب يحبونه. لكن البعض لم يرَ كل ذلك.

تركوا الفرحة نفسها، وانشغلوا بالسؤال: لماذا العلمين وليس القاهرة؟ وتحدثوا عن البسطاء من الناس الذين شجعوا المنتخب على مقاهي القاهرة، وكأن أهالي الساحل ليسوا منا.

أو كأن المصريين الذين احتشدوا في الساحل الشمالي ليسوا مصريين، أو كأن أبناء مطروح والضبعة والحمام ورأس الحكمة يعيشون خارج حدود الوطن وليس بينهم بسطاء جلسوا على مقاهي شوارع مدن الساحل. الغريب أن هؤلاء يتحدثون دائماً عن الوحدة الوطنية، لكنهم أول من يقسم المصريين إلى فئات ومناطق. مرة بين القاهرة والمحافظات، ومرة بين المدينة والريف، ومرة بين الساحل وبقية الجمهورية. بينما الحقيقة أبسط من كل ذلك؛ مصر ليست عنواناً على بطاقة، ولا محافظة دون أخرى، بل شعب واحد يفرح حين يجد سبباً للفرح. الساحل الشمالي ليس مجرد شواطئ وقرى سياحية كما يتصور البعض. هناك مدن وقرى وعائلات مصرية عاشت على هذه الأرض قبل أن يعرفها المستثمرون وقبل أن تتحول إلى مقصد سياحي عالمي. ومن حق هؤلاء أن يستقبلوا منتخب بلادهم كما من حق أي مواطن في القاهرة أو الإسكندرية أو أسوان.

ثم إن الدولة حين تختار العلمين لم تكن تفكر فقط في استقبال فريق كرة قدم، بل كانت تقدم صورة جديدة لمصر، مدينة حديثة تبنى على أرض مصرية، ونجوم رياضة يحملون اسم الوطن، وجماهير تلتف حول علم واحد. إنها رسالة فرح وانتماء وتنمية في وقت واحد.

المشكلة الحقيقية ليست في مكان الاستقبال، وإنما في ذلك المرض الاجتماعي الذي انتشر عبر منصات التواصل، حيث تحول البعض إلى معارضين محترفين. لا يهم الحدث نفسه، بل المهم أن يعترضوا عليه. لا يهم المضمون، بل يكفي أن يقولوا «لا». وكأن الاختلاف أصبح هدفاً في حد ذاته، لا وسيلة للوصول إلى الحقيقة.

لقد تحولت بعض منصات التواصل الاجتماعي للأسف إلى ساحات للفوضى الفكرية، حيث يعتقد البعض أن الاعتراض الدائم دليل وعي، وأن مخالفة الجميع دليل تميز. بينما الحقيقة أن المجتمع يحتاج أحياناً إلى أن يفرح دون تشكيك، وأن يحتفل دون مزايدات، وأن يترك مساحة للبهجة بعيداً عن صخب الباحثين عن الجدل.

ما أحوجنا اليوم إلى أن نترك مساحة للبهجة. فالحياة أثقلت الناس بما يكفي، وما أجمل أن يجتمع المصريون حول لحظة فرح خالصة دون أن يخرج من يحولها إلى معركة وهمية.

فالمنتخب فريق كل المصريين، والعلمين مدينة مصرية، ومطروح مصرية، والقاهرة مصرية، والفرحة حين تكون باسم الوطن لا تعرف الجغرافيا.

دعوا الناس تفرح.. فليس كل شيء يحتاج إلى معركة، وليس كل مشهد جميل يستحق أن نبحث فيه عن خطأ. فالفرح ليس جريمة، والانتماء ليس حكراً على مدينة دون أخرى، ومصر أكبر من كل محاولات التقسيم. وعندما يفرح المصريون بفريقهم الوطني، فإن أجمل ما في المشهد ليس مكان الاحتفال، بل إن القلوب كانت مجتمعة على حب اسم واحد هو: مصر.