إسبانيا تتمرد على الهيمنة الأمريكية

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

من المفارقات اللافتة في عالم السياسة أن إسبانيا كانت وراء اكتشاف أمريكا، وما زالت حتى الآن تشغل لغتها وثقافتها قارة كاملة تقريبًا، هي قارة أمريكا اللاتينية – ما عدا البرازيل –، ومع ذلك تغيرت الأحوال وتبدلت حتى صارت أمريكا تهيمن على العالم وتوجه سياسات أوروبا بأكملها.

لا يواجه أمريكا على الساحة الدولية إلا الدول التي تحكمها أحزاب اشتراكية أو يسارية، ومنها إسبانيا التي أظهرت خلال الفترة الماضية استقلالية كبيرة عن القطيع الأوروبي الذي يسير بلا رأي وراء أمريكا.

كما أنها ساندت الفلسطينيين في غزة، وخرجت المظاهرات الحاشدة، واعترفت بفلسطين رغم التلويحات الأمريكية والإسرائيلية والتهديدات.

تجسد إسبانيا حالة استثنائية لرفض السياسات الأمريكية علنًا، ليس في القضايا الخلافية كالحرب على إيران والإبادة الجماعية في غزة فحسب، بل في رفضها الانصياع للضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تمارسها واشنطن على حلفائها الأوروبيين.

هذا الموقف الذي تقوده حكومة يسارية برئاسة بيدرو سانشيز يعيد إلى الذاكرة جذور اليسار الأوروبي الذي ساند قضايا التحرر وناصر الشعوب المقاومة في مواجهة إملاءات القوة العظمى التي تريد رسم خريطة جديدة للعالم وفق رؤيتها الخاصة.

اليسار في أوروبا اليوم ليس كتلة واحدة متجانسة، صار طيفًا واسع الامتداد من الاشتراكيين والديمقراطيين الاجتماعيين إلى الأحزاب الخضراء والقوى اليسارية الراديكالية التي تتوزع في مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

ما يجمع هذه القوى، نظرة نقدية عميقة للنظام العالمي القائم على الهيمنة الأمريكية، ورؤية تؤكد على ضرورة وجود استقلالية استراتيجية أوروبية حقيقية، لا تبعية محسنة.

تتوزع حكومات اليسار أو وسط اليسار في عدد من الدول الأوروبية، إسبانيا والبرتغال وألمانيا التي تحكمها كتلة يسارية، بجانب وجود نفوذ قوي لهذه التيارات في برلمانات دول الشمال والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

تجد هذه الأحزاب التي تمثل الطبقات العاملة والدفاع عن الدولة الاجتماعية، نفسها في مواجهة مباشرة مع إدارة أمريكية تضع مصالحها القومية فوق كل اعتبار، تتعامل مع حلفائها وكأنهم أقاليم تابعة يجب أن تمتثل لإملاءاتها، لا سيما فيما يتعلق بزيادة الإنفاق الدفاعي والابتعاد عن الصين وتبني خطاب عدائي تجاه إيران والعالم العربي.

اليسار الأوروبي بوصفه وريث تيارات عارضت الحروب الإمبريالية ودعمت حركات التحرر الوطني، يجد في الموقف الإسباني امتدادًا طبيعيًا لهذا الإرث، لكنه يدرك أيضًا أن المشهد السياسي معقد، وأن قوى أوروبية أخرى، خاصة في أوروبا الشرقية، ترى في أمريكا شريكًا أمنيًا لا غنى عنه، مما يخلق توترات داخلية في الاتحاد الأوروبي نفسه.

تستند إسبانيا في مواقفها إلى قوة اقتصادية متنامية تجعل البلاد قادرة على تحمل تبعات الخلاف مع واشنطن. فهي تمتلك أحد أكبر الاقتصادات في منطقة اليورو، يتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي 1.5 تريليون يورو، ما يضعها في المرتبة الرابعة بين دول الاتحاد الأوروبي من حيث الحجم الاقتصادي.

كما أن مستوى المعيشة فيها قريب من متوسط الاتحاد الأوروبي، مع تفوق ملحوظ في قطاعات حيوية كالسياحة والطاقة المتجددة والصناعات الغذائية. هذا الثقل الاقتصادي، يمنح حكومة سانشيز مرونة للتحرك ورفض المطالب الأمريكية غير المنطقية، وفي مقدمتها زيادة الإنفاق العسكري إلى 5% من الناتج المحلي، وهو ما وصفه رئيس الوزراء الإسباني بأنه مطلب غير معقول.

هذا الرفض أُعلن بوضوح في قمة الناتو الأخيرة، حيث نجحت إسبانيا في انتزاع استثناء يسمح لها بتحديد وتيرة زيادة إنفاقها الدفاعي، مما أثار غضب الرئيس الأمريكي الذي وصل به الأمر إلى اقتراح استبعاد إسبانيا من الحلف. هذا التصعيد اللفظي من جانب واشنطن، والذي تزامن مع تهديدات بفرض حصار تجاري شامل على إسبانيا، يكشف عن عمق الأزمة في العلاقات الثنائية، والتي تتجاوز مجرد خلاف حول الميزانيات الدفاعية إلى صراع حول الرؤية العالمية ومكانة أوروبا في النظام الدولي الجديد.

كان موقف اليسار الأوروبي، وعلى رأسه إسبانيا، بالنسبة للقضية الفلسطينية، الأكثر جرأة ووضوحًا، لم يقتصر الأمر على الانتقاد اللفظي للعدوان الإسرائيلي على غزة، بل وصف ما يجري بأنه إبادة جماعية والدعوة إلى فرض عقوبات على إسرائيل وتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.

هذا الموقف التحرري الذي يضع الكرامة الإنسانية وحقوق الشعوب في مقدمة الأولويات، يتناقض بشكل صارخ مع السياسات الأمريكية التي زودت إسرائيل بغطاء دبلوماسي وعسكري مطلق، وعارضت أي قرار لوقف إطلاق النار دون تحقيق كامل لأهداف إسرائيل العسكرية، هو ما جعل الموقف الإسباني واليساري محطة مفصلية في اختبار مدى قدرة أوروبا على تبني سياسة خارجية مستقلة تختلف عن الإرادة الأمريكية.

على صعيد المواجهة مع إيران، فإن رفض إسبانيا الانخراط في أي مغامرة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، يأتي من منطلق إيمانه بأن الحلول الدبلوماسية هي السبيل لتجنب كارثة إقليمية، مما يجعله على خلاف مباشر مع الإدارة الأمريكية التي تهدد بتوجيه ضربات عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية.

بينما ذكر سانشيز بموقف أمريكا من العراق والحرب عليه واتهامه بحيازة أسلحة دمار شامل، بينما كُشف فيما بعد عن كذب ما تردد عن العراق، هذا التباين في النهج، والذي يعكس رؤية مختلفة تمامًا لطبيعة العلاقات الدولية وأولويات الأمن العالمي، يجعل من الصعب على واشنطن أن تتوقع التزامًا أوروبيًا كاملًا بسياساتها في المنطقة، لا سيما في ظل تنامي الصوت اليساري المطالب بالاستقلالية الأوروبية.

القرار الأمريكي بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا أو فرض حصار اقتصادي عليها، إنما يندرج في سياق الضغوط التي تمارسها واشنطن على كل الدول الأوروبية التي تظهر أي شكل من أشكال العصيان.

لكن هذا التهديد قد يواجه بردود فعل أوروبية جماعية، خاصة أن اليسار في البرلمان الأوروبي، وعلى رأسه كتلة الاشتراكيين والديمقراطيين، هدد بالفعل بتعطيل أي اتفاقيات تجارية مع أمريكا ما لم تتوقف عن تهديدها السيادة الأوروبية، كما حدث في أزمة جرينلاند.

بل انتشرت دعوات أوروبية لتفعيل آلية مكافحة الإكراه الأوروبية التي تسمح للاتحاد باتخاذ تدابير مضادة بحق أي دولة تستخدم الضغوط الاقتصادية للتدخل في شؤونه الداخلية أو المساس بأمنه القومي.

لذلك أي تصعيد من جانب واشنطن ضد إسبانيا، سيضع الاتحاد الأوروبي أمام اختبار حقيقي لوحدته وقدرته على حماية أعضائه، ما قد يدفع دولًا أوروبية أخرى، خاصة التي تحكمها أحزاب يسارية، إلى التضامن مع مدريد واتخاذ إجراءات انتقامية تشمل فرض رسوم جمركية على السلع الأمريكية أو تقييد نشاط الشركات التكنولوجية العملاقة.

يمثل الاحتكاك الخشن بين إسبانيا وأمريكا، أحد أهم مؤشرات التحول في العلاقات عبر الأطلنطي. أمريكا التي تعودت لعقود طويلة على التعامل مع حلفائها الأوروبيين بوصفهم أتباعًا، تجد نفسها اليوم أمام طرف يملك من القوة الاقتصادية والثقة السياسية ما يمكنه من قول لا دون خوف من العقاب.

هذا المشهد الجديد الذي يعاد فيه إنتاج صراع قديم بين اليسار المناهض للإمبريالية والقوى المحافظة المسيطرة على مراكز القوة في الغرب، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر قد تطول، لا سيما في ظل إدارة أمريكية لا تتردد في ممارسة أقصى درجات الضغط حتى على أقرب حلفائها.