المستشار أحمد بركات يكتب: مدينة الشهداء.. حين يتحول التاريخ إلى مكان يُعاش

كتب: محرر

المستشار أحمد بركات يكتب: مدينة الشهداء.. حين يتحول التاريخ إلى مكان يُعاش

المستشار أحمد بركات يكتب: مدينة الشهداء.. حين يتحول التاريخ إلى مكان يُعاش

في المقال السابق ذكرت أن مدينة الشهداء مقترح بمشروع مصري لحفظ ذاكرة الوطن.

لكن من هو هذا الشهيد الذي يحمل هذا الشارع اسمه؟

قد يبدو سؤالاً بسيطاً يطرحه طفل وهو يقرأ اسم شارع أو مدرسة أو ميدان، لكنه في الحقيقة سؤال يكشف الكثير، يتوقف الأب لحظة، يحاول أن يتذكر، ثم يكتشف أنه يعرف الاسم، لكنه لا يعرف الحكاية. ولا يعرف لماذا ضحى هذا الرجل بحياته، ولا كيف أصبح اسمه جزءاً من ذاكرة الوطن.

وهنا يبدأ السؤال الأكبر: كم واحداً منا يعرف حقاً من هم الشهداء الذين نمر بأسمائهم كل يوم؟ وكم واحداً يعرف قصصهم، ومعاركهم، والأحلام التي استشهدوا من أجلها؟

هل يعرف أبناؤنا من هو الفريق عبدالمنعم رياض الذي استشهد بين جنوده؟ وهل يعرفون بطولة اللواء أحمد حمدي الذي ارتبط اسمه بأحد أهم معابر النصر؟ وهل يعرفون قصة العميد إبراهيم الرفاعي الذي قاد رجالاً كتبوا صفحات مضيئة في تاريخ العسكرية المصرية؟

وهذه مجرد أمثلة، بينما تضم ذاكرة الوطن آلاف الأسماء التي صنعت تاريخ مصر بدمائها، من جنود وضباط، ورجال شرطة، ومدنيين قدموا أرواحهم دفاعاً عن وطنهم. لكن السؤال يبقى: كم من هذه القصص يعرفها أبناؤنا اليوم؟

ليست المشكلة في أن التاريخ لم يُكتب، بل في أنه لم يُقدَّم للأجيال بالصورة التي تليق بعظمة من صنعوه، إذا كانت مدينة الشهداء مشروعاً لحفظ ذاكرة الوطن، فقد يتبادر إلى الذهن سؤال طبيعي: كيف ستكون هذه المدينة؟

هل ستكون متحفاً كبيراً يضم صوراً ووثائق؟ أم نصباً تذكارياً آخر نمر به ثم نغادره؟ أم أنها تحمل مفهوماً جديداً لم تعرفه مصر من قبل؟

الإجابة تبدأ من حقيقة بسيطة... مدينة الشهداء لم تُصمم لكي تراها، بل صُممت لكي تعيشها، فهي ليست مدينة من المباني، وإنما مدينة من المعاني. كل شارع فيها يحمل رسالة، وكل ميدان يروي حكاية، وكل مبنى يجيب عن سؤال، حتى يصبح الزائر جزءاً من رحلة تبدأ بالفضول، وتنتهي بفهم أعمق لمعنى الوطن.

ولذلك، لم يكن الهدف أن نبني مدينة جميلة، وإنما أن نبني تجربة لا تُنسى. فالإنسان قد ينسى رقماً قرأه في كتاب، لكنه لا ينسى مكاناً عاش فيه تجربة غيّرت طريقة تفكيره، ولهذا جاءت فلسفة تصميم المدينة مختلفة منذ اللحظة الأولى.

فلا يوجد فيها مبنى وُضع لمجرد اكتمال الشكل، ولا ساحة أُنشئت لملء الفراغ، ولا طريق رُسم بلا معنى. كل تفصيلة، مهما بدت صغيرة، لها رسالة، لأن المدينة كلها كُتبت بلغة واحدة... لغة الذاكرة.

ولهذا أيضاً، لم تبدأ رحلة تصميم المدينة من رسم الشوارع أو تحديد أماكن المباني، بل بدأت بسؤال واحد: كيف نجعل طفلاً في العاشرة من عمره يغادر المدينة وهو يعرف وطنه أكثر مما كان يعرفه قبل أن يدخلها؟ ومن هنا جاءت كل التفاصيل.. فالزائر سيسير في رحلة صُممت، ينتقل فيها من سؤال إلى إجابة، ومن قصة إلى أخرى، ومن شهيد إلى معركة، ومن بطولة إلى معنى، حتى يكتشف في النهاية أن الوطن الذي يعيش فيه اليوم لم يكن يوماً هبة مجانية، بل ثمرة تضحيات امتدت عبر آلاف السنين.

لهذا، لم تُصمم مدينة الشهداء باعتبارها مشروعاً عمرانياً، وإنما باعتبارها رحلة لبناء الوعي. وحين تصل إلى المدينة, ستكتشف أن رحلتك لم تبدأ عند البوابة... بل بدأت قبلها بكثير، منذ اللحظة التي قررت فيها أن تبحث عن إجابة لذلك السؤال الذي بدأنا به مقالنا: من هو الشهيد الذي يحمل هذا الشارع اسمه؟

والآن.. بعد أن عرفنا فلسفة المدينة، وحكمة تصميمها، لم يبق أمامنا إلا أن نبدأ أول خطوة داخلها.

في المقال القادم، سنتوقف أمام البوابة الرئيسية، حيث تبدأ الرحلة الحقيقية، ويبدأ التاريخ في أن يتحدث.


مواضيع متعلقة