عظماء طوعوا الجغرافيا
يتغير التاريخ ويتبدل القادة والناس، وتبقى الجغرافيا ثابتة صامدة، قد تتغير الحدود بين الدول بالحروب، لكن لا يمكن نقل جبل أو تفريغ بحر، لذلك كانت الجغرافيا ومازالت العنصر الأكثر تأثيرا في الحروب، عندما تدق طبول الحرب تكون الخرائط أول ما يتم طرحه وتكون الخطط أول ما يتم مناقشته ،الخرائط تلزم الجيوش والخطط تنفذ ما يدور في الرؤوس، يوقل صن زو المفكر العسكر الصيني الأشهر: إذا لم تعرف الجغرافيا ،لا تستحق أن تقود جيشا، الجيوش تقرأ وتسير على ما خطته الطبيعة ، الأودية تحدد طرق الجيوش ، المضائق تلزم برسم الحدود، الصحارى تبتلع الطامعين، الجبال تقيم الحواجز بين الأمم بما لا يقدر على بنائه البشر، التاريخ يؤكد أن الإنسان محكوم بإرادة الأرض أكثر مما يحكم الأرض بإرادته.
في محطات التاريخ الفاصلة وجد رجال نظروا إلى الجبل ولم يروا استحالة هزيمته ، وإلى البحر فلم يروا نهايته ، وإلى الصحراء فلم يروا موتها ، رأوا سؤالا واحدا: كيف يمكن تحويل هذا العائق إلى طريق؟ هلم يلغوا قوانين الجغرافيا ، فهموها بعمق ،جعلوها في صفهم ، استخدموها ضد خصومهم ، جاءت انتصاراتهم انتصارا للعقل قبل أن تكون انتصارا للسيف.
في الشرق كان الإسكندر الأكبر يواجه مدينة صور، الجزيرة الحصينة التي ظن سكانها أن البحر سيحميهم إلى الأبد ، لم يكن الإسكندر يمتلك أسطولا كافيا لاقتحامها ، الماء يقف بينه وبين هدفه كأنه جيش كامل ، رفض الإسكندر أن يعترف بالبحر حدا فاصلا ، أمر ببناء جسر حجري ضخم يمتد من اليابسة إلى الجزيرة . كان المشروع يبدو نوعا من الجنون ، الأمواج تهدم ما يبنى ،المدافعون يمطرون العمال بالسهام ، لكن البناء استمر شهرا بعد شهر حتى صار البحر نفسه أرضا جديدة حين اكتمل الطريق فقدت المدينة أعظم مزاياها الطبيعية ، سقطت بعد حصار طويل ، لم يغير الإسكندر موقع الجزيرة ، لكنه ألغى الميزة العسكرية لذلك الموقع.
أعلن هانيبال القائد القرطاجي التمرد على منطق الخرائط . كانت روما تنتظر الحرب من الجنوب عبر البحر كما هي العادة ، حيث الأساطيل والموانئ والطرق المألوفة ، كان ذلك الخيار الوحيد الذي تمليه الجغرافيا . هانيبال أدرك أن العدو لا يستعد إلا لما يراه ممكنا. اختار المستحيل عبر المتوسط من جهة إسبانيا ، ثم سار بجيشه حتى اجتاز جبال الألب التي كانت في نظر الجميع سورا طبيعيا يستحيل أن تعبره الجيوش المنظمة ، استخدم في حملته الفيلة التي صارت رمزا لتلك المغامرة . لم تكن الرحلة مجرد مسير عسكري ، كانت صراعا مع الثلوج والانهيارات والجوع والقبائل المعادية . فقد جيشا كبيرا في الطريق ، لكنه حين ظهر على الجانب الآخر من الجبال كان انتصر نفسيا قبل أن يخوض أول معركة . جعل الجبل الذي كان حارسا لروما بابا يدخل منه إليها. لم تكن عبقريته أنه هزم الجبل ، بل لأنه أقنع خصمه بأن الجبل لا يمكن أن يهزم ، ثم جاءه من حيث لم يتوقع.
في سهوب آسيا الشاسعة ظهر جنكيز خان التتاري، الرجل الذي لم يحاول إخضاع الجغرافيا بالقوة ، بل جعلها حليفته . كانت المسافات الهائلة التي تفصل المدن والإمبراطوريات تمثل عقبة مرهقة للجيوش التقليدية، لكنه حولها إلى ميدان تفوق ، اعتمد على فرسان يتحركون بسرعة غير مألوفة، يبدلون خيولهم باستمرار، ويحملون معهم ما يكفيهم من الزاد ، حتى أصبحت المسافات التي تبطئ الآخرين تمنحه عنصر المفاجأة. كانت الصحراء والسهوب ، التي يراها خصومه فراغا قاتلا، بالنسبة إليه شبكة طرق مفتوحة لا تعيقها الأسوار ولا الحصون. فهم أن السيطرة على المكان لا تعني امتلاك المدن وحدها ، بل امتلاك القدرة على الحركة داخلها وبينها.
بعد قرون وقف السلطان العثماني محمد الفاتح أمام القسطنطينية ،المدينة التي طالما بدت عصية على الفاتحين. كانت أسوارها شاهقة، وبحرها محميا بسلسلة حديدية ضخمة تمنع دخول السفن إلى القرن الذهبي ،أصبح هذا الحاجز جزءا من يقين المدينة بأنها لا تؤخذ . لكن الفاتح لم ينشغل بكسر السلسلة، بل ألغى ضرورتها . إذا كان البحر مغلقا ، فلماذا لا تسير السفن فوق اليابسة ؟ في ليلة لا تزال من أكثر ليالي التاريخ إثارة، نقلت السفن على جذوع مدهونة بالزيت عبر التلال حتى انزلقت إلى المياه خلف الدفاعات البيزنطية. لم تكن الفكرة حيلة هندسية فحسب، كانت انقلابا على التصور التقليدي للعلاقة بين البر والبحر . حين استيقظ أهل المدينة ورأوا السفن حيث يستحيل أن تكون ،أدركوا أن الحصار لم يعد خارج الأسوار، بل صار داخل عقولهم. هكذا سقطت مدينة ظلت قرونا تقاوم، وبدأ عصر جديد غير موازين القوى في العالم .
على ضفاف النيل واجه نابليون بونابرت تحديا مختلفا . لم تكن الصحراء بالنسبة إلى الجيوش الأوروبية سوى فراغ يحطم الإمدادات ويستنزف الجنود ،لكنه جعل منها وسيلة للمباغتة والحركة السريعة. ورغم أن حملته على مصر لم تحقق أهدافها السياسية النهائية ،فإنها كشفت كيف يمكن للقائد أن يعيد قراءة بيئة تبدو معادية، فيحولها إلى عامل يمنح قواته أفضلية مؤقتة . كان يدرك أن من يفهم الأرض أكثر من خصمه يمتلك نصف النصر ،حتى وإن خسر الحرب في النهاية.
قائد آخر جاء في زمن الحرب العالمية الثانية ،هو السوفييتي جيورجي جوكوف الذي حقق النصر على الجيوش الألمانية. حين اندفعت الجيوش الألمانية نحو موسكو ،لم تكن المسافات الشاسعة والشتاء القاسي مجرد ظروف طبيعية ،بل عناصر يمكن إدخالها في الحساب العسكري. استثمرت القيادة السوفيتية عمق البلاد الهائل ،فتراجعت حين لزم الأمر ،أطالت خطوط إمداد خصمها ،جاء الشتاء ليضاعف أعباء الجيش المهاجم . لم يكن البرد وحده من أوقف الهجوم ،بل التقاء المناخ مع التخطيط والإمداد وإعادة تنظيم القوات. تحولت الجغرافيا التي بدت في البداية عبئا على المدافعين ،إلى أحد عناصر استنزاف المهاجم.
القاسم المشترك بين هؤلاء القادة أنهم لم يكونوا أسرى ما تراه العين. كانوا يملكون قدرة على النظر إلى الخريطة بعين تختلف عن أعين خصومهم. الآخرون كانوا يرون الجبل نهاية ،هم كانوا يرونه بداية. كان الخصوم يرون البحر حدا ،فيرونه طريقا . كانت الصحراء عند غيرهم موتا ،لكن في حساباتهم كانت ستارا يخفي الحركة حتى لحظة الظهور .
إن أعظم انتصاراتهم لم تتحقق حين رفعوا الرايات فوق المدن ،بل حين هزموا الفكرة التي تقول إن بعض الأشياء مستحيلة . أثبتوا أن الجغرافيا ليست قدرا جامدا، إنما معادلة يدخل فيها الإنسان بعقله كما تدخل الأرض بتضاريسها. الجبال لا تتحرك ،البحار لا تنشق ،الصحارى لا تزهر بأمر القادة ،لكن طريقة التفكير هي التي تمنح كل تلك العوائق معنى جديدا.
يبدو التاريخ عند التأمل، أقل خضوعا للطبيعة مما نظن، وأكثر خضوعا للخيال المنظم، الجغرافيا تكتب الفصل الأول من قصة الأمم، لكنها لا تكتب الفصل الأخير، بين الفصلين يقف الإنسان، بعقله وإرادته وجرأته، يقرر أحيانا أن الطريق الذي رسمته الأرض ليس الطريق الوحيد الممكن، وأن الخريطة مهما بدت ثابتة يمكن أن تقرأ بأكثر من عين.