سامح فايز يكتب: جبهة إسطنبول.. الصراع والمال

كتب: محرر

سامح فايز يكتب: جبهة إسطنبول.. الصراع والمال

سامح فايز يكتب: جبهة إسطنبول.. الصراع والمال

ورثت جبهة إسطنبول جماعة الإخوان وهي أكثر انقساماً من أي وقت مضى، لكنها لم ترث معها سلطة مستقرة أو شرعية محسومة. فعندما رحل القائم بأعمال المرشد محمود عزت، لم يكن السؤال داخل الجماعة: من يخلفه؟ بل كان: من يملك مفاتيح التنظيم؟ ومن يستطيع إدارة شبكة ممتدة من المكاتب واللجان والقيادات التي تفرقت بين عواصم عدة بعد سنوات من الضربات الأمنية والانقسامات الداخلية؟ ومنذ تلك اللحظة بدأت جبهة إسطنبول، بقيادة الأمين العام السابق محمود حسين، في رسم معادلة جديدة للسلطة داخل التنظيم، معتمدة على شبكة من القيادات الإدارية التي احتفظت بخبرة طويلة في إدارة الملفات اليومية، في مواجهة جبهة لندن التي تمسكت بشرعية القيادة التاريخية.

رحيل محمود عزت لم ينهِ الأزمة، بل كشف حجم الفراغ الذي تركه داخل التنظيم. فعلى مدار سنوات، ظل عزت يمثل المرجعية التنظيمية العليا، حتى في ظل احتجازه، وكانت كثير من الخلافات تُرجأ انتظاراً لما يُنسب إليه من توجيهات أو مواقف. ومع غيابه، انتقلت الجماعة إلى مرحلة مختلفة، لم يعد فيها الخلاف يدور حول تفسير اللائحة أو حدود الاختصاص، وإنما حول من يمتلك القدرة الفعلية على إدارة التنظيم.

كانت «جبهة إسطنبول» قد دخلت معركة الانقسام منذ خريف 2021 عقب قرارات إبراهيم منير بعزل محمود حسين وعدد من القيادات المقربة منه. إلا أن السنوات التالية، خاصة بعد وفاة منير ثم غياب محمود عزت بوصفه آخر مرجعية تاريخية ذات وزن تنظيمي، منحت هذا الجناح فرصة لإعادة ترتيب صفوفه. وبمرور الوقت، لم يعد الحديث عن مجرد جناح معارض داخل الجماعة، بل عن مركز قيادة موازٍ يسعى إلى تثبيت نفوذه داخل الهياكل التنظيمية في الخارج.

اعتمد محمود حسين في هذه المرحلة على دائرة ضيقة من القيادات التي لعبت أدواراً تنظيمية مختلفة. فبرز مدحت الحداد بوصفه أحد الوجوه الإدارية المؤثرة، بينما استمر همام علي يوسف في أداء أدوار تنظيمية داخل هياكل الجبهة، وظهر ممدوح مبروك ضمن القيادات المساندة في الملفات الداخلية، في حين تولى طلعت فهمي جانباً من إدارة الخطاب الإعلامي والبيانات السياسية. ولم تكن هذه الأسماء تتحرك بوصفها شخصيات مستقلة، بل ضمن محاولة لإعادة بناء مركز قرار قادر على إدارة الجبهة في ظل الانقسام الممتد.

لكن إعادة بناء القيادة لم تكن المهمة الوحيدة. فقد وجدت جبهة إسطنبول نفسها أمام أزمة شرعية مستمرة مع جبهة لندن، التي تمسكت بقيادتها ورفضت الاعتراف بالترتيبات التي أفرزها جناح محمود حسين. ومنذ ذلك الوقت، تبادل الطرفان البيانات والقرارات التنظيمية، وقدم كل منهما نفسه باعتباره الممثل الشرعي للجماعة، وهو ما عمق الانقسام وأفقد التنظيم للمرة الأولى وحدة مرجعيته القيادية.

وفي قلب هذه المواجهة، برزت ملفات الإدارة والموارد بوصفها أكثر القضايا حساسية. فقد أعلنت جبهة إبراهيم منير، قبل وفاته، تشكيل لجنة تحقيق تنظيمية مع محمود حسين وعدد من القيادات، وتحدثت في بياناتها عن مخالفات إدارية ومالية تستوجب المساءلة. وردت جبهة إسطنبول برفض هذه الإجراءات، واعتبرت أنها صادرة عن قيادة فقدت شرعيتها التنظيمية. لم تكن هذه الواقعة مجرد خلاف إداري، بل أصبحت إحدى العلامات الفارقة في مسار الانقسام، لأنها نقلت الصراع من مستوى الاختلاف على القيادة إلى مستوى التشكيك في إدارة مؤسسات الجماعة نفسها.

ومع تصاعد الأزمة، خرجت شهادات من داخل التنظيم زادت المشهد تعقيداً. فقد اتهم القيادي السابق عصام تليمة «محمود حسين» باحتكار قناة الاتصال مع محمود عزت خلال فترة احتجازه، وادعى أن رسائل لم تصل إلى بعض قيادات الخارج، معتبراً أن ذلك أسهم في تعطيل قرارات تنظيمية. كما عاد إلى التداول تسجيل صوتي منسوب إلى القيادي أمير بسام، تضمن اتهامات لعدد من القيادات بشأن إدارة الموارد المالية. وقد أصبحت هذه الشهادات جزءاً من السجال الداخلي بين الجبهتين، بينما ظل كل طرف يتمسك بروايته ويرفض رواية الآخر.

ومع مرور الوقت، بدا واضحاً أن جبهة إسطنبول لم تعد تراهن فقط على كسب معركة الشرعية، وإنما على تثبيت نفوذها داخل الشبكات التنظيمية والإدارية التي تمثل عصب الجماعة في الخارج. فمن يقرأ البيانات الصادرة عنها خلال الأعوام الأخيرة يلاحظ أنها ركزت على إعادة تشكيل الهياكل، وتأكيد استمرار المؤسسات، والحفاظ على التواصل مع المكاتب الخارجية، أكثر من تركيزها على الشعارات السياسية العامة. ويعكس ذلك تحولاً في الأولويات؛ من استعادة القيادة الرمزية إلى إدارة التنظيم بوصفه مؤسسة تواجه أزمة وجود.

ورغم هذا الحراك، لم تنجح الجبهة في إنهاء حالة الانقسام أو فرض مرجعية واحدة داخل الجماعة. فما زالت جبهة لندن تتمسك بشرعيتها، وما زالت الخلافات حول القيادة وآليات اتخاذ القرار وإدارة المؤسسات قائمة. كما أن خروج الخلافات إلى العلن، وتبادل القيادات الاتهامات والبيانات، ترك أثراً بالغاً على صورة التنظيم الداخلية، وأضعف قدرته على تقديم نفسه كتنظيم موحد كما كان في السابق.

بعد أكثر من ثلاث سنوات على غياب محمود عزت، تبدو جبهة إسطنبول وقد نجحت في بناء مركز تنظيمي متماسك حول قيادتها، لكنها لم تنجح في إنهاء الانقسام الذي ضرب الجماعة. وبين شرعية متنازع عليها، وشهادات متبادلة، وصراع على الإدارة والموارد، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل جبهة إسطنبول مرحلة انتقالية في تاريخ الجماعة، أم أنها أصبحت بالفعل مركز السلطة الجديد داخل الإخوان؟ الإجابة لم تحسمها البيانات بعد، لكن المؤكد أن الجماعة التي خرجت من أزمة 2021 ليست هي الجماعة التي عرفها أعضاؤها قبل ذلك التاريخ.