تحية قوس المياه

خديجة حمودة

خديجة حمودة

كاتب صحفي

تتنوع تحيات وطقوس استقبال الأبطال والجيوش العائدة من الحروب عبر التاريخ بين صيحات النصر اللفظية، المسيرات العسكرية المهيبة، والأنشطة الدينية الطقسية، لتقديم الشكر للآلهة أو القوى الحامية، ففي العصر الفرعونى كانت عودة الجيش المنتصر حدثاً دينياً ووطنياً جليلاً يُسجّل على جدران المعابد.

ومن أشهر مظاهر الاستقبال قديماً، صيغة النصر نختت، كانت الهتاف الرسمى والتحية الأبرز التي تطلقها الجماهير والكهنة عند بوابات المعابد، احتفالاً بالانتصار والغلَبة، وتحية عنخ أودجا سينب، وتعنى الحياة والرخاء والصحة، وكانت تُوجّه كدعاء دائم للملك المحارب والقادة لضمان سلامة أبدانهم بعد المعارك.

موكب النصر والتهليل، كان الشعب يصطف حاملاً زجاجات العطور وسعف النخيل، مطلقين صيحات الحفاوة والترحيب المعروفة بهنو، تحية إم هوتب وتعنى بسلام، وتُستخدم لتحية الجنود العائدين سالمين إلى ديارهم وأسرهم.

التقليد العسكري الملكي، حيث كان الفرعون يلقى خطب الثناء والمكافأة أمام قادة المشاة وعربات الحرب، ويمنح الأبطال أرفع وسام عسكرى آنذاك وهو ذبابة الذهب تعبيراً عن الشجاعة والمثابرة في وجه العدو.

أما في القرن الواحد والعشرين فقد اختلف التعبير كثيراً، فعندما يبتعد الأحبة والأهل والأصدقاء فترات زمنية طويلة ويزداد الحنين لرؤيتهم فإن المحب يبحث عن الطريقة التي يعبر بها عن تلك الأشواق الجارفة ليقول لحبيبه الذى ينتظره ها أنت هنا مرة أخرى، فليرَ الجميع كيف أنتظرك؟ وماذا فعل بنا البعاد، قد اعتدنا في المطارات والموانئ على رؤية الورود التي تلقى على العائدين لتستقبلهم بأرق التحيات والكلمات.

إلا أن الأيام بدأت تحمل الجديد للتعبير عن مشاعر الحب والاحترام والتقدير، فظهر تقليد تحية الطائرات بالمياه الذى يعود إلى أيام الرحلات الطويلة للسفن العابرة للمحيطات، حيث دأبت زوارق الإنقاذ والإطفاء على رش تلك السفن بالمياه كلما غادرت أو وصلت إلى الميناء، ويعتقد أن تقليد تحية الطائرات بالمياه يرجع إلى ذلك.

وقد أصبح ذلك التقليد ممارسة شائعة بالمطارات في تسعينات القرن الماضى، عندما تمت تحية الطيارين المتقاعدين من شركة خطوط دلتا الجوية من قِبل سيارات الإطفاء بمطار سولت ليك سيتى عن طريق خلق قوس من المياه لتمر من تحته الطائرة.

رش الطائرة بالمياه عند وصولها يُعرف عالمياً باسم «تحية قوس الماء»، وهو تقليد احتفالى عالمى يتم من خلال اصطفاف سيارات الإطفاء في المطار على جانبى الممر لإطلاق خراطيم المياه عالياً، لتشكيل قوس أو نفق تمر تحته الطائرة ترحيباً بها، ويُعد هذا التقليد من أرفع مراسم الاستقبال والتكريم في عالم الطيران، لأنه يكون للترحيب والاحتفال، يُستخدم للترحيب بالشخصيات المهمة جداً كالملوك والرؤساء، أو الفرق الرياضية الوطنية العائدة إلى أرض الوطن بإنجازات تاريخية أو كبار المسئولين.

والطريف أن يخرج هذا التقليد لينسف معنى أحد الأمثال الشعبية القديمة الذى كان يتردّد على ألسنة العجائز في القرى والمدن المصرية الصغيرة (رش الماء عداوة)، فقد أصبحت المياه هى تحيّة احتفالية يقوم من خلالها الناس بضخ المياه على شكل أقواس يَعْبُر فيها المُحتفل من تحت تلك الأقواس، في المطارات تُقام في كثير من الأحيان تحية المياه عن طريق سيارات الإطفاء من أجل تحيّة الطيارين المتقاعدين، أو احتفالية من أجل استخدام الطائرات للمرة الأولى أيضاً تُجرى تحية المياه في عدد من وسائل النقل الأخرى، كالزوارق والسيارات.

وبعيداً عن المياه وأقواسها في المطارات، فقد عرفنا هناك وشاهدنا ممر الشرف الذى يمر من تحته العروسان في ليلة الزفاف عندما يكون العريس من الشخصيات العسكرية، حيث تتشابك السيوف في مشهد جميل ليمر العروسان من تحتها في تقليد احتفالى عريق له دلالات رمزية وعميقة، منها الحماية والدعم، وهى تعهد زملائه بحماية العروسين والدفاع عن بيتهما الجديد، والولاء والترحيب، وإعلان الولاء، فهل يمكن أن أستقبل الحبيب بزخات الماء، وأقيم له ممر الشرف وأقلده الذبابة الذهبية كما كان يفعل أجدادنا الفراعنة ويكفي أنه عاد لأرض الوطن؟