أفول عصر المدافع
أفول عصر المدافع
- رفعت رشاد
- عرف الإنسان المدفع منذ قرون . عرفها الصينيون بعدا
- وتبلور اختراع المفع في حدود القرن الثالث عشر . وان
- عرفته قبل الدبابات والطائرات والصواريخ وغيرها
- كان يحمل على عجلات فيسهل تحريكه وتوجيهه لهدم وتدمي
- في الزمن المعاصر تصدر عناوين الكتب وأفيشات الأفلام
- من أشهر أفلام الحروب : مدافع نافارون الذي يحكي عن
- ومن الكتب : مدافع آية الله
- الدبابات
- الطائرات
عرف الإنسان المدفع منذ قرون، عرفها الصينيون بعدما اكتشفوا البارود وكان ذلك في القرن التاسع تقريبا، وتبلور اختراع المفع في حدود القرن الثالث عشر . وانتقل المدفع من الصين إلى الدولة الإسلامية وأوروبا بعد ذلك . طوال تلك الفترة الطويلة كان المدفع رمزا للحرب ، عرفته قبل الدبابات والطائرات والصواريخ وغيرها ، كان يحمل على عجلات فيسهل تحريكه وتوجيهه لهدم وتدمير أسوار القلاع . صار جزء مهما من الثقافة العسكرية في كل أنحاء العالم ، في الزمن المعاصر تصدر عناوين الكتب وأفيشات الأفلام وغير ذلك ، من أشهر أفلام الحروب : مدافع نافارون الذي يحكي عن بطولات الغرب في الحرب العالمية الثانية ، ومن الكتب : مدافع آية الله ، لمحمد حسنين هيكل عن الثورة الإيرانية عام 1979 .
يجسد المدفع قصة الإنسان وهو يحاول أن يفرض إرادته على الآخر . تبين هذه القصة أن الأفكار لم تكن وحدها التي تصنع الإمبراطوريات أو تهدمها ، بل كانت الأدوات التي تحمل الأفكار إلى ميادين القتال . كم من حضارة امتلكت الشجاعة لكنها خسرت لأنها تأخرت في امتلاك السلاح الجديد ، كم من دولة صغيرة اتسعت حدودها لأن مهندسا مجهولا سبق عصره باختراع قلب موازين القوة .كان السلاح ، في النسبة الأكبر من التاريخ ، المؤرخ الحقيقي للبشرية . فالسياسي يعلن الحرب والقائد يضع الخطة ، لكن قطعة الحديد التي يحملها الجندي هي التي تكتب السطر الأخير في كتاب التاريخ .
حين عرف الإنسان البرونز ، تغير شكل الحروب . حين ظهر الحديد ، سقطت ممالك راسخة ، كانت تعتمد على تفوقها البرونزي . ثم جاء البارود من الشرق ولم يكن اختراعه في البداية لأغراض عسكرية ، فتحول إلى أعظم قوة قلبت النظام العسكري الذي حكم العالم لقرون طويلة . كان البارود طريق الإنسان لصناعة المدفع ، وقبل المدفع كان الناس يعيشون في عالم الأسوار . كانت البلاد تبني جدرانا شاهقة وتعتقد أنها بذلك اشترت الأمان لعقود . كانت القلاع رمز السلطة ، وكانت الحروب تستمر سنوات لأن اقتحام مدينة محصنة ، مهمة صعبة . كان من يمتلك حصنا جيدا يمتلك الأمان والمستقبل السياسي والعسكري .
لم يولد المدفع فجأة بصورته التي نعرفها ، كان نتاج رحلة طويلة شملت التفكير في وجوده ، وتطويره عبر تجارب لأنابيب معدنية تقذف مقذوفات حجرية ، قبل أن تتحول إلى سبطانات من البرونز ثم الحديد ، ثم إلى منظومات بالغة التعقيد والدقة . وخلال بضعة قرون ، تغيرت قواعد الحرب التي استقرت منذ العصر الروماني . كانت اللحظة الأبرز ، لحظة سقوط أسوار القسطنطينية عام 1453 التي عدت واحدة من أكثر اللحظات رمزية في التاريخ العسكري . لم يكن السبب الوحيد في سقوط المدينة المدافع الضخمة ، لكن استخدامها بكثافة ضد الأسوار التي اعتبرت يوما منيعة أثبت أن عصر القلاع يقترب من نهايته . وما إن انهارت الأسوار حتى انهارت معها فلسفة عسكرية كاملة استمرت أكثر من ألف عام . ومنذ ذلك اليوم لم يعد المهندس الذي يصمم ويبني القلاع ، من يقرر مصير البلاد ، بل صار المهندس الذي يصمم المدافع هو الذي يساهم في تقرير نتيجة الحرب .
بدأت القلاع تتغير . اختفت الأبراج العالية ، حلت محلها التحصينات المنخفضة والزوايا الحادة والخنادق الواسعة ، وهو ما عرف لاحقا بالتحصينات النجمية . كانت تلك التحصينات اعترافا صريحا بأن المدفع أصبح سيد الميدان . بمرور الزمن ، لم يعد المدفع مجرد آلة لتحطيم الجدران ، تحول إلى السلاح الماضي الذي يمهد لكل هجوم . في الحروب النابليونية أصبحت المدفعية قلب الجيش النابض ، كان نابليون بونابرت يولي اهتماما استثنائيا بها ، فقد كان ضابط مدفعية قبل أن يصبح قائدا للجيوش وإمبراطورا . أدرك أن كثافة النيران أكثر حسما من كثرة الجنود . وعندما جاءت الثورة الصناعية جددت شباب المدفع وأعطته حياة جديدة . أصبحت المعادن أكثر صلابة ، والسبطانات أطول ، والذخائر أدق ، والمدى أبعد ، وسرعة الإطلاق أعل ى. وما كان من قبل يحتاج إلى ساعات من التحضير ، أصبح يتم خلال دقائق .
بلغ المدفع ذروة تأثيره خلال الحرب العالمية الأولى . في خنادق أوروبا لم تكن البنادق التي تقتل الجنود ، قامت المدافع بالمهمة على نطاق واسع . صارت المدفعية آلة هائلة تطلق ملايين القذائف ، حولت الغابات إلى أراض قاحلة ، والقرى إلى أحجار ، والسهول إلى عالم من الحفر . كانت المعارك تبدأ بقصف يستمر أياما ، قبل أن يتحرك الجنود نحو خطوط العدو . صارت الحرب في تلك السنوات حرب مدفعية أكثر منها حرب مشاة .
أسماء بعض المدافع دخلت التاريخ كما دخلت أسماء القادة . المدفع الألماني الشهير " بيج بيرثا " أصبح رمزا للرعب ، اشتهرت المدافع الفرنسية عيار 75 ملم بسرعة إطلاقها التي بدت معجزة في زمنها ، ثم ظهرت المدافع البريطانية الثقيلة التي غيرت مفهوم القصف بعيد المدى . لم يقتصر على أوروبا ، كل القوى الكبرى أدركت أن الدولة التي تنتج المدافع بكميات كبيرة وجودة أعلى يمكنها أن تحقق النصر . وشهدت الحرب العالمية الثانية لاعبا جديدا ، الدبابة ، لكنها لم تلغ المدفع ، بل تكامل السلاحان . المدفعية تمهد الطريق ، وتعزل ساحة القتال ، وتمنع وصول التعزيزات ، بينما تتقدم الدبابات والمشاة. بعد الحرب ، استمر المدفع في التطور . أصبحت القذائف أكثر دقة ، أنظمة الرصد أكثر تطورا ، وأصبحت أجهزة الاستشعار والرادارات والطائرات المأهولة وغير المأهولة تمد المدافع بالمعلومات بصورة لحظية .
في العقود الأخيرة ، اختفت المدافع من نشرات أخبار الحروب . عندما تعلن الدول عن صفقات الأسلحة ، تتصدر العناوين المقاتلات الحديثة ، وأنظمة الدفاع الجوي ، والغواصات ، والصواريخ الباليستية ، والطائرات المسيرة ، بينما لا يذكر الكثير عن المدافع ، كأن هذا السلاح الذي حكم ميادين القتال قرونا أصبح من بقايا الماضي .
لكن الحقيقة أن المدافع لم تندثر ، بل فقدت بريقها الإعلامي . فالصاروخ أكثر إثارة للخيال ، يقطع مئات الكيلومترات ويصيب هدفا بعيدا . والطائرة المسيرة تحمل كاميرا تبث المشهد مباشرة ، فتجذب اهتمام الجمهور . أما المدفع فيعمل خارج بؤرة الإعلام ، يطلق قذائفه من مواقع بعيدة لا يراها أحد . لذلك تراجع حضوره في الوعي العام أكثر مما تراجع في العقيدة العسكرية .
الحروب المعاصرة لا تزال تتمسك بالمدافع كعنصر حاسم عندما يتعلق الأمر بهدف تواصل النيران بكثافة لفترات طويلة . دفعت الحروب في السنوات الأخيرة الجيوش إلى إعادة تقييم مخزونها من الذخائر وقدرتها الصناعية على إنتاجها ، بعدما تبين أن معدلات الاستهلاك في النزاعات واسعة النطاق قد تكون أعلى بكثير مما توقعته بعض الخطط الدفاعية . لكن صار المدفع يواجه تحديا لم يعرفه من قبل وهو الطائرة المسيرة . المسيرات لا تدمر الهدف فقط ، بل تكشف سره بسهولة . أصبح من الممكن اكتشاف بطاريات المدفعية بسرعة أكبر ، ومراقبة تحركاتها ، وتصحيح الرماية بصورة شبه فورية ، ثم استهدافها إذا بقيت في مكانها ، لأنه ليس من السهل تحريك المافع بسرعة مناسبة . لذلك لم تعد المدفعية تعتمد على القوة وحدها ، بل على الحركة والتمويه والانتشار ومحاولة تغيير المواقع باستمرار.
لم تعد ملكة ساحات المعارك كما كانت في الماضي ، لذلك يطرح سؤال : هل يتكرر مع الدبابة ما حدث مع القلعة ؟ حين ظهرت المدافع انهارت الأسوار ، ومع انتشار المسيرات والذخائر الدقيقة ، تواجه الدبابة امتحانا تاريخيا مشابها لخروج الخيول من الحروب وانهيار أسوار القلاع . لقد أصبحت هدفا يمكن اكتشافه وتتبعه بوسائل لم تكن موجودة من قبل . هذا ما دفع كثيرا من الجيوش إلى إعادة النظر في كيفية استخدامها ، مع التركيز على دمجها ضمن شبكات استطلاع وحماية إلكترونية وجوية بدل الاعتماد عليها منفردة .
التاريخ يخبرنا أن الأسلحة لا تختفي ، لكنها تتغير. لم تلغ البندقية السيف فورا ، لم تلغ الدبابة المشاة أو الخيول سريعا ، لم تلغ الطائرة ، السفن البحرية ، ولم تلغ الصواريخ الطائرات . كل سلاح جديد يجبر السلاح القديم على تغيير دوره . لذلك يبدو الحديث عن اختفاء المدفع تماما ، سابقا لأوانه . فما يزال يوفر قدرة على إطلاق نيران كثيفة ومستمرة بكلفة أقل من كثير من الوسائل بعيدة المدى ، كما أن دوره في دعم القوات البرية مهم ، لكن يمكن القول بأن عصر المدفع إلى أفول .
في الحروب القادمة سيقل الاعتماد على الجيوش الضخمة ، ويزيد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي ، والاستشعار ، والأنظمة غير المأهولة ، والحرب الإلكترونية ، والفضاء السيبراني . هذا لا يعني أن الأرض ستفقد أهميتها ، فالحروب في نهاية المطاف ، تحسم حين يفرض طرف سيطرته على الأرض ويحافظ عليها ، وليس بالسيطرة على السماء أو الفضاء الإلكتروني .
إن رحلة المدفع مع الإنسان والتاريخ ، ليست مجرد قصة قطعة معدنية تطلق المقذوفات ، بل قصة عصر كامل بدأ يوم تصدعت الأسوار أمام البارود . علم المدفع العالم أن أي حصن يمكن أن يسقط ، ثم جاءت الصواريخ لتقول إن أي هدف يمكن أن يطال ، وجاءت المسيرات لتضيف أن كل حركة يمكن رصدها .
أهم درس يقدمه تاريخ الأسلحة أن التكنولوجيا لا تنهي الحرب ، بل تعيد تعريفها . قد يظن الإنسان أنه ابتكر السلاح الحاسم الذي سيضمن النصر إلى الأبد ، ثم يظهر اختراع جديد يبدل قواعد اللعبة مرة أخرى . يظل التاريخ يتحرك بين ابتكار وآخر ، لا تقوده الجيوش وحدها ، بل تقوده الأفكار التي تتحول في لحظة ما إلى قطعة من الحديد تغير وجه العالم .
- رفعت رشاد
- عرف الإنسان المدفع منذ قرون . عرفها الصينيون بعدا
- وتبلور اختراع المفع في حدود القرن الثالث عشر . وان
- عرفته قبل الدبابات والطائرات والصواريخ وغيرها
- كان يحمل على عجلات فيسهل تحريكه وتوجيهه لهدم وتدمي
- في الزمن المعاصر تصدر عناوين الكتب وأفيشات الأفلام
- من أشهر أفلام الحروب : مدافع نافارون الذي يحكي عن
- ومن الكتب : مدافع آية الله
- الدبابات
- الطائرات