أفلام التليفزيون وأصحاب المواهب
عندما تقلد والدى ممدوح الليثى، رحمه الله، منصب «مراقب عام» أفلام التليفزيون أثناء رئاسة السيدة العظيمة «تماضر توفيق» للتليفزيون، كان كعادته ما يهمه هو تقديم أعمال فنية تليق باسم التليفزيون المصرى، وكان الفيصل بالنسبة له لتقديم عمل فنى هو الورق المعروض أمامه والرؤى والأفكار الجديدة فيه، وكان بشكل خاص يعلم أنه لبث روح جديدة فى قطاع أفلام التليفزيون عليه أن يستعين بأصحاب المواهب الحقيقية من شباب كتاب السيناريو فى ذلك الوقت، ومن المعالجات التى قدّمت له فى ذلك الوقت المعالجة الفيلمية لقصة «تحقيق» للكاتب الكبير نجيب محفوظ، وقدم له هذه المعالجة الكاتب الكبير عاطف بشاى، الذى كان فى ذلك الوقت يخطو أولى خطواته فى مجال كتابة السيناريو، وكما روى الأستاذ عاطف بشاى أن الأستاذ ممدوح الليثى عندما قرأ المعالجة أشاد بها وأوردها على الفور فى خطته ووعده بالتعاقد معه فى القريب العاجل ككاتب للسيناريو والحوار، وبالفعل بعد أسبوع واحد استدعاه وتعاقد معه.
انتهى الأستاذ عاطف بشاى من كتابة السيناريو والحوار لفيلم «تحقيق»، وبدأ تصوير الفيلم الذى كان أول بطولة للفنان الكبير محيى إسماعيل، وأول ظهور للفنانة الكبيرة إلهام شاهين، ومن إخراج المخرج ناجى أنجلو، وأول إنتاج لأفلام التليفزيون فى ذلك الوقت، وكانت قصة الفيلم تدور حول البطل سامى (محيى إسماعيل) الذى يعانى من مرض نفسى ويذهب فى يوم إلى بيت زميلته سيئة السمعة (ميمى جمال)، وبينما هما يجلسان يسمعان صوتاً صادراً من الصالة، فيختبئ تحت السرير ويسمع صراخاً من الصالة، وبعد الجريمة يخرج ليراها مقتولة فيذهب للبيت مسرعاً.
يظل المحقّقون يبحثون عن القاتل ويشكّون فى أناس كثيرين طوال الوقت، إلا أنهم يكتشفون أن القاتل الحقيقى يبعث رسالة يعترف فيها على نفسه، فيتوصّلون إلى كاتب هذه الرسالة، المفاجأة أن يكون القاتل الرجل نفسه المريض نفسياً المُستبعَد تماماً من أحداث الجريمة، وسعى وقتها الأستاذ ممدوح الليثى لعرض الفيلم عرضاً خاصاً دعا إليه كبار النقاد والصحفيين والسينمائيين، وقدم صناع الفيلم على مسرح سينما أوبرا بزهو واعتزاز بهذه المواهب الفنية.
ويروى الأستاذ عاطف بشاى أنه فى اليوم التالى امتلأت الصحف بصورهم فى العرض الخاص وبإشادة خاصة بالسيناريو ليداعبه الأستاذ ممدوح الليثى، ويقول له بفرح أبوى حقيقى «يا ابن الإيه.. بقيت أشهر منى»، لتتوالى أعمالهما معاً بعد ذلك فى سلسلة أفلام تليفزيونية ناجحة، مثل «فوزية البرجوازية» و«الوزير جاى» و«محاكمة على بابا» و«المجنون» و«نسيت أنى امرأة»، وغيرها. وأظن أن التجربة أثبتت نجاحها، فتبنى المواهب الشابة والموهوبة ودعمها بكل ما هو متاح من إمكانيات مادية ومعنوية، جعل هناك أجيالاً من كتاب السيناريو والمخرجين والممثلين والممثلات نجوماً ساطعة فى سماء الفن.
ولكن كان والدى، رحمه الله، يعلم أيضاً أنه للمنافسة عليه أن يجذب ويستعين أيضاً بكبار النجوم، وبالفعل استطاع أن يجتذب كبار النجوم، للعمل بأفلام التليفزيون، مثل العملاق فريد شوقى والفنان الكبير كمال الشناوى والفنان الكبير أحمد زكى وغيرهم من النجوم اللامعين.
ورغم أن تكلفة هذه الأفلام كانت قليلة، إلا أنها كانت تلاقى مردوداً كبيراً لدى الجماهير، كما أنه استعان بالنجم العالمى عمر الشريف فى فيلم من أفلام التليفزيون، وهو فيلم «أيوب»، فعندما قرأ الأستاذ ممدوح الليثى سيناريو الفيلم، كان الاسم الذهبى الذى لمع فى ذهنه هو النجم العالمى عمر الشريف، وكان كل المحيطين به يستبعدون فكرة أن يوافق عمر الشريف على الاشتراك فى فيلم من إنتاج التليفزيون، خصوصاً أنه فى ذلك الوقت كان يحصل على أجر كبير فى أفلامه العالمية الناجحة، ولكن ممدوح الليثى كان يثق ثقة عمياء فى موافقة عمر الشريف، وبالفعل كلمه وأرسل إليه سيناريو فيلم «أيوب» عن قصة الكاتب الكبير نجيب محفوظ وسيناريو وحوار الكاتب الكبير محسن زايد، وإخراج المخرج الكبير هانى لاشين، وبالفعل وافق عمر الشريف وحصل على أجر 2500 جنيه، وكان هذا مبلغاً ضئيلاً جداً بالنسبة لأجره فى أعماله بالخارج، ولكن كانت لعمر الشريف حسبة أخرى، وكان والدى ممدوح الليثى على يقين من هذه الحسبة، وهى حب عمر الشريف لمصر، ولبيته الأول التليفزيون المصرى، وعندما بدأوا التصوير طلب عمر الشريف أن يرى أعمالاً لكل من يشاركونه فى الفيلم، وذلك حتى يذيب حاجز عدم معرفته بهم، ويتعامل معهم كأنه يعرفهم جيداً.
وقد روى لى الفنان الكبير أسامة عباس أنه عندما قابل عمر الشريف لأول مرة، وجد أنه يرحب به كما لو أنه يعرفه، فتعجّب من ذلك، فكيف يعرفه، وكانت المرة الأولى التى يراه فيها، فوجد الفنان الكبير مصطفى فهمى يخبره بأنه شاهد أعمالاً لكل المشاركين بالعمل حتى تكون هناك ألفة بينهم أثناء التصوير، وعرض فيلم «أيوب» عرضاً تجارياً وحقق نجاحاً كبيراً.
ومن الأحداث التى لا تُنسى خلال تصوير فيلم «أيوب» وفاة النجم الكبير محمود المليجى أثناء فترة الاستراحة عند تحضير أحد المشاهد، وكان يجلس إلى جوار الفنان عمر الشريف يتحدّثان ويضحكان ويتحدث معه عن الحياة وغرابتها، ويقول له الواحد ينام ويصحى وينام ويصحى وينام ويشخر، وانتبه الكل لأدائه وما يقوم به من أداء تمثيلى رائع يقوم به أثناء حديث عابر، حتى إن الجميع انبهر من أدائه.
وعندما استمر على وضع النوم، قال له الفنان عمر الشريف «إيه يا محمود» لكنه لم يجبه، فقد أدى المشهد الأخير فى حياته، ليترك حالة من الذهول فى كل من رأى أو سمع بقصة موته التى كانت أشبه بنهاية درامية عظيمة لفنان عملاق أعطى كل حياته لفنه.
واتصلوا وقتها بوالدى ممدوح الليثى، ليخبروه أن الأستاذ محمود المليجى تعبان بالاستوديو، لينزل والدى مسرعاً من مكتبه إلى مكان التصوير، ليجد عند وصوله أن الأستاذ محمود المليجى قد لقى ربه، فحمله على كتفه ونقلنا جثمانه فى سيارة والدى «المازدا 323» إلى منزله بالزمالك، وعند وصولنا وجد والدى أن الأسانسير عطلان، ليحمل جثمانه الطاهر خمسة أدوار إلى شقة زوجته الفنانة الكبيرة علوية جميل التى فتحت لنا باب المنزل.
ولم يشأ والدى أن يصدمها، فقال لها إنه متعب قليلاً، ليضعه على سريره وهى لا تعلم أنه قد فارق الحياة، وظل هذا الموقف محفوراً بداخل والدى ممدوح الليثى، وأعتقد أنه ظل محفوراً بداخل كل من حضر هذا الموقف، وكان كلما سمع اسم الفنان والأستاذ محمود المليجى يتذكر كل هذا التاريخ وكل الرحلة الطويلة التى قطعها هذا الفنان وقطعها هو معه منذ أن كان طفلاً صغيراً معجباً به، إلى صديق يحمل جثمانه إلى شقته.