اللي تغلب به العب به

هل نحن شعب متدين فعلاً؟ لو حسبنا الدين بالمظاهر فالإجابة نعم، وقد حكيت لك بالأمس عن طرف من حالة التمسك بالطقوس الدينية -العباداتية على وجه الخصوص- وكلها تشهد على أن هذا الشعب يملأ المساجد، ولا يتوقف عن تشغيل القرآن الكريم في كل الاتجاهات، ويستغل كل مستحدث تكنولوجي في المزيد من الممارسات اللفظية والطقوسية واليافطاتية للدين، إذا صح التعبير، تلك هي الإجابة لو حسبنا الدين بالمظاهر، ولكن لو حسبناه بالسلوك ومدى الاحتكام لقيم وأخلاقيات الإسلام في التعاملات والتفاعلات البشرية، فقد تختلف الإجابة، فما أكثر ما يعتب بعضنا أو أغلبنا على أن التزامنا يمثل تمسكاً بالمظهر أكثر من الجوهر، وأن الدين يغيب لدى الغالبية في السلوك.


حالة التدين المظهري التي يعتبر البعض أنها غالبة على المصريين قديمة، وما أكثر ما غلبت على شعوب ومجتمعات وبشر وخلائق. إنه التدين الذي لا تتجاوز فيه قيم الدين وأخلاقياته اللسان إلى القلب، ليتحكم في جوارح الإنسان ومشاعره وسلوكياته. هل تذكر ذلك الموقف العصيب الذي عاشه الحسين بن علي، رضي الله عنه، حين غادر مكة إلى الكوفة استجابة لدعوات الناس هناك، وليمنحوه دعمهم الكامل حتى ولو كان بحمل السلاح والقتال معه ضد الأمويين، كي يعيدوا الأمر إلى أهل البيت. حينما وصل فوجئ «الحسين» بالناس وقد انفضوا من حوله، خوفاً من عبيد الله بن زياد وجنوده. لحظتها وقف «الحسين» على بوابة خيمته، وقال قولته الشهيرة: «الناس عبيد الدنيا.. والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم.. فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون».


الجملة التي تقول «يحوطونه ما درت معايشهم» تمنحك مفتاحاً لفهم حالة التدين التي نوصف بها كشعب. فالدين عند البعض لا يتجاوز الكلام والشعارات والطنطنات اللفظية، إنه يستقر على طرف اللسان، دون أن يمر منه إلى القلب. والناس يرفعون شعارات الدين ما دامت لا تتعارض مع مصالحهم، فإذا تعارضت نحّوها جانباً، وذلك معنى «يحوطونه ما درت معايشهم». فالمخزون الثقافي المتراكم داخل العقل الشعبي المصري -وربما داخل العديد من المجتمعات الأخرى- يحمل هذه الفكرة ويتحرك بها، وينظر إلى الدين نظرة برجماتية عملية، وأكبر شاهد على هذا المخزون هو ما تحتفظ به الذاكرة المصرية من أمثال شعبية تتناقض مع الكثير من القيم والأخلاقيات التي أكد عليها القرآن الكريم والسنة المطهرة.


فكرة «يحوطونه ما درت معايشهم» نفسها تجدها حاضرة بشكل صارخ في المثل الشعبي الذي يقول «اللي تغلب به العب به»، وليس أقدر من الدين وسيلة على تحسين صورة الفرد أمام الآخرين، أو التأثير في توجهاتهم نحوه أو نحو ما يدعو إليه من أفكار، أو ما يرتجيه منهم من سلوكيات. للأسف الشديد هذا المثل الذي يسكن الثقافة المصرية والذي يتشابه مع شعار «الغاية تبرر الوسيلة» ينسحب على الطريقة التي يوظف بها البعض الدين لحصد المصالح، كالتاجر الذي يروج بضاعته بلحيته التي تطول بطنه، أو المرشح الذي يريد اقتناص أصوات الناخبين عبر إقناعهم بشعارات الدفاع عن الدين والتمكين وغير ذلك.
الناس تعلم أن الدين محرك مهم من محركات البشر، والبعض لا يتردد عن أن «يتلاعب به»، من أجل تمرير المصالح وحصد المكاسب والمغانم. هذا البعض يفعل ذلك وهو يسمع الآيات الكريمة التي تنهى المؤمن عن التجارة بالدين.. قال تعالى في سورة «البقرة»: «وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِى ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ».


على كل من يتلاعب بالدين ليغلب أو يكسب به أن يفهم حقيقة أن هذا الدين «لن يشاد الدينَ أحدٌ إلا غلبه».