غزل البنات.. من يذكر تلك الأيام
شاهدت فيلم: غزَل البنات، في إحدى القنوات الفضائية التي تعرض الأفلام المصرية والعربية والعالمية القديمة، شاهدته وكأنني أراه لأول مرة ولم يتبق في ذاكرتي وما أكثرها أي أثر بل إنه يأخذني لمراحل شبابي القديمة التي لم يبق منها سوى الذكريات.
وأحاول أن أتذكر في كل مرة جاهداً متي رأيته لأول مرة وأين؟ وفي أي دار عرض؟ هل كانت في دمنهور التي شهدت جزءاً من شبابي؟ أم القاهرة التي جئتها منذ سنوات بعيدة؟ ولي فيها اكتشافات شديدة العذوبة، وفي مقدمتها السينما المصرية والعربية والعالمية. وربما كان فيلم غزل البنات من أوائل الأفلام التي شاهدتها في ذلك الزمان البعيد، وما زلت أحتفظ بذكريات تلك المشاهدة الأولي حتى الآن.
اعتبر نجيب محفوظ فيلم: غزل البنات إنتاج 1949 عملاً فنياً عبقرياً وتحفة سينمائية لا تتكرر، وأشاد بالفيلم لعدة أسباب: أولاً عبقرية الريحاني، فقد رأي محفوظ أن الفيلم قدَّم أفضل أداء تمثيلي وتجسيد كوميدي ودرامي للفنان نجيب الريحاني في دور «الأستاذ حمام»، وأُعجِبَ محفوظ ببراعة المخرج أنور وجدي في جمع هذا العدد الضخم من عمالقة الفن في عملٍ واحد: ليلي مراد، ويوسف وهبي، ومحمد عبدالوهاب، وسليمان نجيب. واعتبر ظهورهم معاً حدثاً لن يتكرر.
رأي محفوظ أن كل شيء في الفيلم كان مثالياً بداية من الحوار الرائع الذي شارك في كتابته الريحاني وبديع خيري، مروراً بالتصوير والموسيقي وحتى المشاهد القصيرة التي تجعل المُشاهِد لا يشعر بالملل.
ونظر النقاد والمؤرخون للسينما المصرية مثل الناقد كمال رمزي للفيلم على أنه علامة فارقة في تاريخ السينما، ويمكن تلخيص رأي وموقع الفيلم ضمن رؤية جيله الثقافية في النقاط التالية: فرأي في شخصية «الأستاذ حمام» تعبيراً عبقرياً عن الطبقة الوسطي المصرية البسيطة التي تعاني من سوء الحظ. وكان الفيلم يلمس وجدان جمهور «الترسو» والطبقة الوسطي على حدٍ سواء.
يُعد الفيلم آخر ظهور سينمائي لنجيب الريحاني، واعتبره نُقَّاد تلك الحقبة ضمن ما كُتِب عن تاريخ السينما تُحفة فنية تُلخِّص التناقضات الفلسفية والاجتماعية لتلك الفترة، خاصة عبر مفارقة الباشا والسايس والجنايني.
يُعتبر فيلم: غزل البنات أحد أهم عشرة أفلام على المستوي الشعبي، وقد عُرِض لأول مرة يوم الخميس 22 سبتمبر 1949 في دار عرض استوديو مصر، ولم تزل على شريطه ترجمة فرنسية، فمصر آنذاك كانت تتحدث بخمس لغات في البيوت، واللغة المصرية في الشارع، وكانت الفرنسية أوسع لغات مصر انتشاراً، وتوالت العروض يوم الاثنين 26 سبتمبر بدور عرض سينما ريتس بالإسكندرية، وسينما فريال ببورسعيد، وسينما مصر بطنطا، وسينما ريفولي ببيروت.
لم يتوقع العاملون في الفيلم أن يكون في المستقبل لائحة بأهمية مائة فيلم ناطق باللغة العربية في القرن العشرين، ويحل فيلم: غزل البنات، تاسعاً. كما لم يقتنع كثير من النقاد بهذا الترتيب لفيلم اعتبروه بدون نهاية لقِصر نظرهم ونقلهم عن بعضهم بعضاً بدون تدقيق أو بحث.
خُدِعَ النُقاد بدهاء أنور وجدي التسويقي حين استغل وفاة نجيب الريحاني في 8 يونيو 1949، وأطلق شائعة: الفيلم الذي لم يكتمل بسبب وفاة الفنان الكبير، ليربح من توزيع الفيلم وعرضه مليون جنيه. كانت هذه الخدعة التسويقية كافية لاندفاع الناس لمشاهدة الريحاني في آخر أفلامه.
وحسب الوقائع، خدع أنور وجدي النقاد لأن السيناريو المفترض للنهاية لا يوجد في أرشيف السينما المصرية، بل يوجد سيناريو الفيلم الذي يشاهده الناس من خمس وسبعين سنة، كما لم يؤكد بديع خيري وهو كاتب الحوار مع نجيب الريحاني في أي حديث إعلامي له حتى وفاته سنة 1966 ما قاله أنور وجدي.
ورغم مرور كل هذه السنوات والعهود وتطور صناعة السينما، إلا أن الفيلم ما إن تعرضه إحدي قنوات التليفزيون التي تعرض الأفلام السينمائية حتى يُقبِل المشاهدون على رؤيته وكأنهم يشاهدونه للمرة الأولي، خاصة تمثيل وغناء الفنانة ليلي مراد الذي ما زال له طعم في نفوس مُحبي الفن العربي، ليس من المحيط إلى الخليج، بل في الدنيا كلها.
إنه الفيلم الذي ما إن تشاهده الآن حتى تشعر أنه صُنِعَ بالأمس فقط، ولم يمض على تصويره كل هذه السنوات الكثيرة.