طه حسين تلميذا وأستاذا (2)

كان تلاميذ طه حسين يرونه الأستاذ الكبير الذى يعطف عليهم، ويساندهم، ويحرص على أن يبلغوا فى المعرفة مبلغاً متقدماً، ويعلمهم تقديس العلم، واحترام قاعة الدرس، فهو كان من القلائل الذين يعيشون لغيرهم، وطالما كان يشعر بسعادة غامرة عندما يدخل الفرح على قلوب الغير، لا سيما من تلاميذه، الذين كان يعتبرهم «كتبه الحية»، كما يقول نبيل فرج.

وأمامنا فى هذا ثلاث شهادات لأنبغ تلاميذه؛ الأولى هى لزكى مبارك، الذى يخاطبه بأستاذى، ويصف نفسه أحياناً بأنه ابنه المخلص وتلميذه، ويقول له بما يبين أنه يهابه: «أجد فى مراسلتك عنتاً ومشقة، وأحاول فى الكتابة إليك ما يحاوله المكدود فى اقتلاع الصخر، ولن تذلل الأيام ما يعتادنى من الحب لك، والخوف منك».

ثم يكتب مقالين إلى مجلتى «الرسالة والمكشوف»، ليدافع عن طه حسين فى وجه من تطاولوا عليه من الشوام، ويقول له: «من المؤكد أنك فى غنى عمن يؤدب خصومك، ولكن منزلتك الأدبية أصبحت لا تخصك وحدك، لأنها صارت متصلة بمنزلة مصر الأدبية»، لكن «مبارك» يعود ويختلف مع أستاذه، ويوجه إليه سهاماً حادة، كما سنبين لاحقاً.

والثانية هى سهير القلماوى التى تقول عنه: «علّمنا تقديس العلم.. علّمنا أن نحب الجامعة ونعتبرها جامعاً نصلى فيه لله سبحانه وتعالى بالعلم، وبما نبذل من جهد فى سبيل أن نتعلم ونعلم، وأن نأخذ العلم بشراهة ونهم، وأن نعطيه فى سخاء لا يعرف للعطاء حدوداً». وتقول أيضاً: «هو فى حياتى بمنزلة الأب الروحى بكل معانى الكلمة.

هو الذى أحال يأسى أملاً، وهو الذى شجعنى، وأنا خريجة مدرسة درست فيها كل علومى بالإنجليزية، على أن أتخصص فى اللغة العربية. ما شكوت له عسراً حتى أحاله فى حنان الوالد إلى يسر.. ولكن أستاذية طه حسين لم تكن عطفاً ورعاية كلها، ولم تكن دفعاً قوياً نحو المثل الأعلى عن طريق اللين دائماً، وإنما كان يأخذنا، ويأخذنى أنا أكثر من غيرى، بالشدة أحياناً».

أما الثالثة فلمحمد مندور، الذى يخاطبه فى عدة رسائل: «اتصالى بكم نقطة انقلاب أحدث فى حياتى أعمق الآثار»، و«إنا تلاميذك الخادمون الحق معك، الساعون إلى تجديد الأدب»، ويعاهده: «ما لا يقبل اللبس هو أن إعجابى بكم لا مبدأ له ولا غاية، فسواء كنت أديباً فى مستقبل حياتى أم كنت سياسياً أو كنت قانونياً، يجب أن يبقى حبى لكم، وتقديرى لفضلكم علىَّ، وإعجابى وتعلقى بذاتكم الكريمة، فوق كل اعتبار».

ولا يكتفى «مندور» بهذا، بل يضع نفسه فى خدمة طه حسين: «إننى سهم فى جعبتكم، ولسان صدق فى الآخرين»، ويقول له أيضاً: «أتقدم إليكم بنفسى وأن أضع تحت أمركم يدى وقلبى ولسانى وكل سلاح أملكه، وأن أنضوى خاشعاً تحت لواء مجدكم المعقود، ولى الشرف أكبر الشرف، ولى السرور أتم السرور، أن أكون جندياً من جنودكم أدافع عنكم، وأنطق بمجدكم، وأفديكم بنفسى»، ثم يعلن أن محبته لطه حسين ذات طابع روحى: «سيعلم الناس أن هذا التلميذ يعرف معنى الفناء فى أستاذه.. إن حبى لك هو ضرب من التصوف، قل عنه ما شئت»، ويبالغ فى هذه المحبة، أو فى ذلك الارتباط بأستاذه: «إننى من المتفانين فى محبتك، والإعجاب بك، ولأكن أول إنسان يتجه إليه فكرك عندما يشتد أمر لى عليه سلطان. وسوف ترانى مقداماً جسوراً لا أتردد مطلقاً أن أهدر دمى فى سبيله».