محمود مرزوق يكتب: كتاب الطبيخ
محمود مرزوق يكتب: كتاب الطبيخ
منذ سنوات طوال قدمت الإذاعة المصرية برنامجاً صار من روائع ما قدمته إذاعة البرنامج العام، وهو برنامج «كتاب عربى علّم العالم»، الذى كان يروى قصص كتبٍ ومنجزات علمية وفكرية قدمتها عقول نابهة عبر مختلف مراحل وحواضر الحضارة العربية الإسلامية. تعلقت جماهير المستمعين بهذا البرنامج الجاد فى مضمونه، الشيق فى طريقة عرضه، وتعرفتُ من خلاله على العديد من الكتب والعلماء، وظللتُ أتشوق لمطالعة هذه الكتب حتى تمكنت من ذلك لدى زياراتى المتكررة لدار الكتب المصرية العريقة ومكتبة الدومينيكان وغيرها.
وأثناء تصفحى لهذه الكتب التراثية، تنبهتُ لأهمية كتب الطهى العربية القديمة التى أهملها الباحثون العرب؛ اعتقاداً منهم أنها مجرد كتب تحوى وصفات لأطعمة ومشروبات وانتهى الأمر، غير أن القارئ المدقق لهذا النوع من الكتب يجد أنها تكشف العديد من ملامح الحياة الاجتماعية والثقافية فى زمانها. ومن أشهر ما أنتجت القريحة العربية فى هذا الباب «كتاب الطبيخ» لابن سيّار الوراق، وهو أقدم كتاب طبخ عربى وصل إلينا كاملاً، ويعود تاريخه إلى النصف الثانى من القرن العاشر الميلادى، فى أوج ازدهار الحضارة العباسية ببغداد.
وعنوانه الكامل هو: «كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية والمأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات مما استُخرج من كتب الطب وألفاظ الطهاة وأهل اللُّب»؛ وهذا العنوان الطويل يكشف عن طبيعته المزدوجة: فهو كتاب طبخ عملى مستمَد من خبرة الطهاة المتوارثة، وفى الوقت نفسه مؤلَّف طبى يستقى مادته من كتب الطب، بما يعكس امتزاج فن الطهى بعلم التغذية العلاجية. ومؤلفه هو أبومحمد المظفر بن نصر بن سيّار الوراق، وهو عراقى عاش فى بغداد، حاضرة الخلافة العباسية.
لا تبوح المصادر التاريخية بمعلومات وافية عن حياته سوى ما نستشفه من كتابه نفسه؛ إذ يدلّ لقبه «الوراق» على أنه كان يعمل فى نسخ الكتب والاتجار بها، وتذهب بعض الروايات إلى أنه أشرف على مطابخ دار الخلافة العباسية، وهو ما يفسر عمق معرفته بأسرار الطهى. وفى الغالب فقد ألّف كتابه بتكليف من أحد الحكام، وربما كان الأمير سيف الدولة الحمدانى الذى سعى إلى إضفاء بصمة ثقافية خاصة على بلاطه فى حلب، فى وقتٍ بدأ فيه بريق بلاط بغداد بالتراجع.
يضم الكتاب أكثر من 600 وصفة موزّعة على 132 باباً، تغطى طيفاً واسعاً من الحساءات واليخنات، والدجاج والطيور باردةً وساخنة، والمقبلات والصلصات، والأطباق المسلوقة والعصائد والخضراوات والمقالى، ولحم الجدى المشوى وغيره من اللحوم، والحلويات والمعجنات والمشروبات، بل يذكر خمسة عشر نوعاً من الخبز وحده مفصِّلاً مكوناتها وطرق تحضيرها.
وما يميزه عن كونه مجرد كتاب وصْفات هو احتواؤه على نصائح صحية وطبية، وأهمية موافقة الطعام لطبيعة الجسم والحالة الصحية والعمر، ووصفات لأطعمة المرضى باعتبار الغذاء جزءاً من العلاج، وأطعمة الصيام عند المسيحيين، ما يعكس التنوع الدينى والاجتماعى فى بغداد العباسية، فضلاً عن آداب المائدة والمنادمة، وأشعار ونوادر عن الطعام تُروى عن خلفاء وأدباء بغداد، ووصْفات نظافة كتنظيف اليدين وتخليل الأسنان بعد الطعام.
وقد استقى الكاتب مادته من مصادر سابقة أو معاصرة له؛ منها كتب لإبراهيم بن المهدى (الأمير العباسى المعروف بولعه بالطبخ)، والطبيب يوحنا بن ماسويه، والفيلسوف يعقوب بن إسحاق الكندى. وتشير وصْفاته إلى أطباق كان يُحضّرها أو يُفضّلها بعض الخلفاء؛ كالمهدى، والرشيد، والمأمون، والمتوكل.
وبهذا يتجاوز كتاب ابن سيّار كونه مرجعاً للطهاة، ليصبح وثيقة حضارية من الطراز الأول عن العصر العباسى: مرآة اجتماعية تكشف تأثير الثقافات الفارسية والرومية فى المطبخ البغدادى، ووثيقة طبية تطبق عملياً نظريات التغذية العلاجية، وسجل أدبى يحفظ أشعاراً ونوادر لم تصل من مصادر أخرى، ودليل لغوى يحفظ مفردات طهى اندثر كثير منها.