حِش وارميله
أحدثك هذه المرة عن مثل شعبي شديد العجب، يصعب أن تجد له مثيلاً في الثقافات الأخرى، إنه على وجه التقريب صناعة مصرية بحتة، ذلك المثل الذي يقول: «لو دخلت بلد بتعبد العجل حش وارميله». يدعو المثل إلى مسايرة المجموع الذي يجد الإنسان نفسه بين أفراده، ومداراة أفراده ما دام في دارهم، وإرضائهم ما دام في أرضهم، فحتى لو كان هذا المجموع يعبد عجلاً له خوار، فسارع إلى التقرب إليه، وألقِ له الطعام، ولا تنس الطواف من حوله مع الطائفين.
قد يقول قائل: لماذا تقرأ هذا المثل كأحد الأمثال التي تعلم الفرد الانتهازية واللعب على كل الحبال، من أجل تحقيق المغانم والمكاسب؟ المثل يُقرَأ على وجه آخر، فهو يدعو إلى المرونة في التعامل مع الأوضاع، حتى ولو كنت ترفضها أو تأباها أو تجد فيها نوعاً من السخف والسفه. قد يكون ذلك كذلك، وقديماً وضع ديكارت عدة قواعد للتفكير المتزن؛ من بينها الالتزام بالقوانين والأعراف السائدة داخل أي تجمع بشري تنزل عليه، فالمخالفة في مثل هذه الأحوال قد تؤدي إلى صدام لا تؤمن عواقبه، أو لا تستطيع احتماله. تبدو وجهة النظر الأخيرة عملية، لكن يبقى أنها تتناقض مع الصورة التي يحب شعبنا الطيب أن يرسمها لنفسه كشعب متدين.
لعلك تذكر أن موضوع العجل يمثل فصلاً مهماً من فصول قصة نبي الله موسى مع بني إسرائيل. فخلال رحلة الخروج من مصر لمح بنو إسرائيل قوماً يعكفون على أصنام يتعبدون لها ويقدمون إليها القرابين، فطلبوا من موسى أن يجسد لهم الإله في صنم يعبدونه مثل هؤلاء، فاتهمهم النبي بالجهل: «وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ». الفكرة الوثنية كانت تمثل جزءاً من التكوين العقلي والنفسي لبني إسرائيل، ولم يدفع بها إلى الوراء -في تفكيرهم- سوى إيمانهم بدين موسى، لكنها ظلت موجودة وقائمة، وبمجرد أن غاب عنهم موسى لميقات ربه، أخذت تتراقص بداخلهم من جديد، وأدرك هذه الحقيقة بداخلهم «السامري». كان الأخير يفهم التركيبة العقلية والنفسية لبني إسرائيل، فقد آمنوا بموسى وإله موسى وصاروا شعباً متديناً، لكنهم ظلوا يبحثون عن الشكليات المادية، إنهم يريدون تجسيد الإله في معبود يعبدونه، وبناء على هذا الفهم قدم لهم الحل، فجمع ما لديهم من حلي ذهبية نهبوها من المصريين، وصنع لهم العجل الجسد الذي بدا أشبه بالعجل العادي، حين صنع فيه «السامري» ثقوباً أدت إلى صدور هذا الصفير عنه مع مرور الهواء.
انتهى «السامري» من صناعة العجل وقدمه إلى بني إسرائيل فعكفوا على عبادته. قال تعالى: «فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ»، وظلوا كذلك حتى عاد موسى، وغضب غضباً شديداً، لما رأى ما أحدثوه، وحكم على «السامري» بالنفي والنبذ، لقد سحق موسى الفكرة السخيفة لعبادة العجل، أو إرضاء هذا الميل الساذج من جانب البعض للرقص حول العجل والعجول.