طه حسين تلميذا وأستاذا (3)
يمكن تلخيص الملامح الأساسية لأستاذية طه حسين، كما يُستفاد من شهادات تلاميذه، في النقاط التالية:
1- كان يُكبر رسالة الجامعة، ويحرص على استقلالها، وقد ترجم إيمانه بهذا حين رفض، وقت أن كان عميد كلية الآداب، منح دكتوراه فخرية لعدد من كبار السياسيين، وردّ غاضباً على وزير المعارف: «يا باشا، عميد كلية الآداب ليس عمدة يتلقى التعليمات من مأمور المركز فينفذها، هذه جامعة وليست عزبة». وكان مستعداً لدفع الثمن الذي ترتب على موقفه هذا، حيث تم فصله من عمله، وبقي في منزله يستدين من أخيه، ليدبر نفقات عيشه.
2- أفق منفتح على علوم ومعارف شتى، وعلى تجارب حياتية متنوعة، حيث يمزج كل هذا في سلاسة، ويصنع منه سبيكة واحدة متينة جاذبة، بما يغري تلاميذه بالاستمرار في البحث والدرس.
3- قدرة فائقة على الإتيان بأفكار جديدة مضيئة لماحة، إن كانت تخص العلم المتخصص الذي يحاضر فيه، فإنها تنبت على أكفّ علوم أخرى، اطلع عليها، وهضمها إلى حد يُمكّنه من إعادة إنتاجها في ثوب مختلف.
4- كان طه حسين، ورغم ما هو عليه من علم، لا يدخل قاعة الدرس إلا بعد أن يعد محاضرته جيداً، وهو في هذا لا يعتمد على علم الأمس لليوم، فكل مرة يكرر فيها درساً سبق أن ألقاه، يضيف إليه جديداً، ويتناوله بطريقة مختلفة، فعلّم بهذا تلاميذه أن الحياة تتجدد، وكذلك يتجدد تذوُّق الأدب، كما أن المعلومات والمعارف تزداد بلا توقف.
5- لا يمكن أن تنفصل أستاذية طه حسين عن المنهج الذي آمن به، فقد تعلّم منه تلاميذه أنهم لا ينبغي لهم الحكم على شيء إلا بمعرفته جيداً، وأن يكون مقصدهم هو الحقيقة، ولا يُغلقوا أذهانهم عن كل جديد، ولا يرضوا بالمتاح والسائد، وأن يتغلّبوا على كل مظاهر الجمود والركود في التعليم والحياة.
6- كان يؤمن بأن المكتبة جزء لا يتجزأ من المحاضرة، فيُملي على طلابه عناوين كتب ودراسات يجب أن يعودوا إليها، ويطّلعوا عليها، ويفهموها، ويضيفوا فهمهم هذا إلى ما سمعوه منه. وهنا يقول نجيب محفوظ: «كان ينبه على الأساتذة ألا يسمحوا لنا بكتابة المحاضرات، ولا يجوز لنا أن نقيّد في أوراقنا إلا اسم مرجع، أو سؤالاً نريد أن نسأله، أما أن أقيد ما يقوله الأستاذ وأحفظه، فهذا ما يرفضه، وكان يقول لنا: اكتبوا المحاضرات مما استوعبته عقولكم، ولديكم المراجع في مكتبة الجامعة». وضمن هذا الإدراك هاجم طه حسين المذكرات الجامعية، ووصفها بأنها إثم يجب أن يُمحى، ويُعاقب من احترفه مهما يكن مركزه في الجامعة. كما يقول سامح كريم في كتابه «ماذا يتبقى من طه حسين»، وهو وصف لم يكن بعيداً عن الحق والحقيقة.
وكان هذا أمراً طبيعياً مع رجل لا يكف عن طلب أن يُقرأ له بإفراط، فهو «في أيام شبابه كان يمضي نحو خمس عشرة ساعة في القراءة والكتابة كل يوم. فلما كبرت سنه، وضعفت قوته، كان يقرأ كل يوم نحو ثماني ساعات، ولما نصحه الأطباء في السنوات الأخيرة من عمره بالراحة، وعدم الإكثار من القراءة لم يستجب لهذا النصح، وكان مما قاله: «الموت خير لي من الحياة إذا لم أقرأ، فلا معنى لحياتي بدون قراءة».
7- كان طه حسين في حالة جدل دائم مع نفسه، وتلاميذه، يفيدهم كلامه، وتفتح أسئلتهم أو تعليقاتهم على ما سمعوه منه باب فهم جديد له، لا يتعالى عليه، ولا ينكره، وقد كان في هذه الحالة يتواءم مع سمته الدائم بوصفه رجلاً «لا يعيش إلا ليُعلّم ويتعلّم»، فضرب بهذا مثلاً ناصعاً على الحوار الذي يؤدي إلى التقدم في الفهم، والتغذية المرتدة للمعرفة التي لا ينكرها إلا جاهل.
8- كان غاية في الثقة من نفسه وقدراته، وهذا أمر يصفه مندور قائلاً: «كم كنت أشفق عليه من ثقته العميقة بنفسه، وهو يحاضر مئات المستمعين في المحاضرات العامة، دون أن يستعين بنص مكتوب، أو تخطيط تحريري مدوّن.. وأود إن استطعت مساندته على نحو ما يطمع الطفل في مساندة أبيه القوي القادر».