مبادرة منع العنف.. التجربة الرائدة
■ مبادرة منع العنف كانت عملاً جباراً غير مسبوق، واستغرق تفعيلها خمس سنوات، وتُعد نموذجاً رائعاً للمراجعة الشاملة والتحوُّل من العنف إلى السلام.
■ البعض يتصورها عملاً سهلاً جلس فيه الطرفان قادة الجماعة الإسلامية مع قادة الأمن وتبادلا الضحكات واتفقا على السلام، هذا تسطير مُخل ممن يهيل التراب على أعظم مشروع للخروج من شرنقة العنف ودواماته التي لا تنتهي.
■ المبادرة مرت بمراحل كثيرة تمت فيها عمليات المراجعة والتصويب، وكلها أعمال شاقة وحساسة، يكفي أن المرحلة الأولى للمراجعة الفكرية استغرقت قرابة العامين فيها عام كامل طاف فيه قادة الجماعة مع رجالات الأمن الوطني السجون المصرية الكبرى، بدءاً من سجن الوادي الجديد فالفيوم فالعقرب فالنطرون 1 و2 ثم دمنهور شديد الحراسة.
■ كان سجن الوادي من أسوأ السجون في المنطقة العربية وإذا به يتحول بعد تفعيل المبادرة إلى جامعة بكل ما تعنيه الكلمة، مباريات رياضية، ودوري وكأس في الألعاب، مسرحيات في العيد، مسابقات في القرآن والمعلومات العامة، محاضرات عامة، ورش لطلبة المدارس الصناعية، استخراج بطاقات الرقم القومي داخل المعتقلات، تطوير رائع للمنظومة الطبية، سواء في مستشفى السجن أو نقل الحالات الصعبة للمستشفيات الجامعية، زيارة المعتقلين لأسرهم في حالات المرض أو الوفاة أو زواج الأبناء والبنات حتى وصل عدد الذين زاروا منازلهم قرابة 1500 معتقل.
■ جُمع الأشقاء والأسر بعد تفرقهم في عدة سجون إلى أقرب سجن لمنزلهم، واستغرق ذلك ستة أشهر ومئات الترحيلات.
■ قبل المبادرة كنت تجد أسرة معتقلة موزعة على ثلاثة سجون يبعد بعضها عن الآخر ألف كيلو، فبعضهم في الوادي وبعضهم في دمنهور أو وادي النطرون، والبعض في الفيوم، عملية التجميع هذه كانت بداية منطقية للإفراجات.
■ أما النقطة الحاسمة فكانت عملية تسليم الجناح العسكري بفروعه المختلفة لنفسه وسلاحه بسهولة ويسر ودون دماء أو غدر.
■ وقد بذل المرحوم كرم زهدي مع اللواء أحمد رأفت ورجاله جهداً خارقاً في هذا الملف الذي تكلل بالنجاح.
■ هذه أول سابقة في تاريخ مصر تتم دون دماء أو غدر، مع حُسن معاملتهم كما وعد، وهذه النقطة مع نقاط أخرى أدت إلى تسليم المئات لأنفسهم، سواء كانوا هاربين داخل مصر أو خارجها.
■ والحقيقة أن حفاظ اللواء/ رأفت وفريقه مع فريق الجماعة على العهود والدقة في تنفيذها كان له أكبر الأثر في نجاح هذه النقطة المفصلية التي أشعرت الدولة بالصدق في المراجعة، حيث كان الجميع يراهن عليها.
■ وقد كانت لهذه الصفة في اللواء أحمد رأفت فعل السحر في كل الخطوات التي سارت فيها المبادرة.
■ استمرت المراجعات الفكرية ومحاضراتها بالسجون قرابة العام تقريباً، حيث تحلت إلى جامعات راقية تعج بالثقافة والرياضة والعلم، وحصل المئات على الشهادات الجامعية التي تأخرت، والبعض على الماجستير، وعشرات على الدكتوراه، في سابقة فريدة.
■ محاضرات القادة في السجون كان يشارك في حفل ختامها اللواء/ أحمد رأفت الذي كان يقف وسط الآلاف دون حراسة يحيونه ويرحبون به ويقبّلونه ويعطونه طلباتهم ويبثونه حاجاتهم مباشرة، ولما قال حراسه له: إن هذا خطر عليك، قال: لا تقلقوا، لا أريد حراسة، أنا أثق بهم، وأعتبرهم حراسي.
■ كانت لديه حاسة سادسة في كل شيء وشجاعة مع نبل، وقد تحلى قادة الجماعة بهذه الصفات أيضاً ولذلك تناغمت أرواحهما، وأثرت المعيشة المشتركة في رحلات السجون في الطعام المشترك والغربة المشتركة ومقابلة ضباط الأفرع للمعتقلين مباشرةً، بل واستضافتهم داخل الزنازين، مما أزال العداوات وقرّب المسافات وتعرّف كل فريق على الآخر دون ثارات أو أحقاد أو صراعات، قال المرحوم اللواء رأفت: نحن راجعنا أنفسنا كذلك، فقد كانت الطريق إلى السجون للداخل فقط والآن للخارج فقط، وتحولت السجون إلى جامعات، وأصبحت السجون المصرية أفضل السجون في المنطقة العربية بشهادة الجميع.
■ تلقفت الدول العربية تجربة المبادرة بالثناء والمدح، وكلما زار الجنرال/ أحمد رأفت أي بلد عربي أو أجنبي كان يطلق عليه «الجنرال الذهبي» سواء في اليمن أو السعودية أو الجزائر أو المغرب أو ليبيا، وكل هذه الدول طبقت تجربة المبادرة ولكن تحت مسميات وبإضافات مختلفة، ففي الجزائر طُبقت الفكرة وأطلق قانون «الوفاق المدني» الذي أنهى العشرية السوداء في الجزائر والتي خلفت 170 ألف قتيل وجريح، وفي السعودية طُبقت التجربة باسم «المناصحة»، وتكررت كذلك في ليبيا واليمن، وطبقتها بعض الدول الأوروبية.
■ خلال خمس سنوات أُفرِج عن عدّة آلاف، وتمت إعادة الكثير منهم لوظائفهم أو البحث عن عمل لمن لا عمل له.
■ قصة المبادرة ملحمة رائعة يهوي البعض طمس معالمها وإهالة التراب عليها، ولكن هيهات هيهات فهي راسخة رسوخ الجبال، لأنها تعني الوسطية والاعتدال والحكمة، فالوسطية تهزم الغلو دائماً، تحية للرجال الشجعان من رواد الصلح والإصلاح والمراجعة والنفس اللوامة.