فرنسا تقترب من إقرار «القتل الرحيم».. البرلمان يمنح المرضى حق «الموت بمساعدة طبية»

كتب: محرر

فرنسا تقترب من إقرار «القتل الرحيم».. البرلمان يمنح المرضى حق «الموت بمساعدة طبية»

فرنسا تقترب من إقرار «القتل الرحيم».. البرلمان يمنح المرضى حق «الموت بمساعدة طبية»

فى خطوة وصفت بأنها واحدة من أبرز الإصلاحات الاجتماعية التى تشهدها فرنسا، صادقت الجمعية الوطنية «مجلس النواب» على مشروع قانون يمنح «المرضى البالغين المصابين بأمراض مستعصية وغير قابلة للشفاء»، الحق فى طلب المساعدة الطبية لإنهاء حياتهم، منهية بذلك سنوات طويلة من النقاشات السياسية والأخلاقية والدينية، التى شغلت المجتمع الفرنسى، وأثارت انقساماً واسعاً بين مؤيدى توسيع حقوق المرضى، ومعارضى المساس بحرمة الحياة.

«لوموند»: «الجمعية الوطنية» تنهى سنوات من الجدل بتوصية من «ماكرون».. والكلمة الأخيرة لـ«المجلس الدستورى»

وبحسب تقرير لصحيفة «لو موند»، لم يكن مشروع قانون «المساعدة الطبية على إنهاء الحياة» مجرد تشريع جديد، بل جاء تتويجاً لمسار سياسى وشخصى طويل خاضه الرئيس الفرنسى، إيمانويل ماكرون، الذى انتقل تدريجياً من التحفظ على تغيير القانون، إلى تبنى أحد أكثر الملفات حساسية فى المجتمع الفرنسى، ويمثل اعتماد المشروع محطة بارزة فى سجل الإصلاحات الاجتماعية، التى شهدتها فرنسا خلال السنوات الأخيرة، ويضع البلاد أمام مرحلة جديدة من النقاش حول مفهوم الكرامة الإنسانية، وحدود تدخل الدولة فى القرارات المرتبطة بنهاية الحياة، فى وقت لا يزال فيه القانون ينتظر المراجعة النهائية من «المجلس الدستورى»، قبل دخوله حيز التنفيذ.

وتشير المعطيات، التى أوردتها الصحيفة الفرنسية، إلى أن موقف الرئيس ماكرون من هذا الملف لم يكن ثابتاً، بل مر بتحولات متدرجة على مدار سنوات، ففى بداية ولايته، لم يكن الرئيس الفرنسى مقتنعاً بضرورة سن تشريع جديد، إذ كان يرى أن القوانين القائمة الخاصة بـ«الرعاية التلطيفية»، و«التخدير العميق» للمرضى فى المراحل النهائية، قد تكون كافية للتعامل مع الحالات الإنسانية المعقدة. كما كان يخشى أن يؤدى فتح هذا الملف إلى صدام مع القيادات الدينية، خاصة فى بلد لا تزال فيه المؤسسات الدينية، وفى مقدمتها الكنيسة الكاثوليكية، ترفض بصورة قاطعة أى تشريع يتيح إنهاء الحياة بمساعدة طبية.

ولم يكن البعد الدينى وحده مصدر قلق للرئيس الفرنسى، بل كان يخشى أيضاً أن يتحول المشروع إلى قضية تستقطب المجتمع الفرنسى، وتعمق الانقسامات السياسية والأخلاقية، وهو ما دفعه لفترة طويلة إلى التريث فى اتخاذ موقف حاسم. لكن تطور النقاش داخل البرلمان، وتصاعد الضغوط من عدد من النواب، إلى جانب تزايد التأييد الشعبى لفكرة منح المرضى حق اختيار نهاية حياتهم فى ظروف استثنائية، دفع ماكرون فى النهاية إلى تبنى المشروع، بل وإدراجه ضمن أبرز الإصلاحات التى تعهد بتنفيذها خلال ولايته الثانية.

ولم يكن الطريق إلى إقرار القانون أقل تعقيداً من رحلة ماكرون الشخصية، فقد خضع المشروع لسلسلة طويلة من المناقشات والقراءات داخل البرلمان، وشهد تعديلات متكررة، قبل أن تحسم الجمعية الوطنية التصويت لصالحه، رغم استمرار معارضة مجلس «الشيوخ»، الذى يهيمن عليه اليمين المحافظ.

واستندت الحكومة إلى الآليات الدستورية، التى تمنح الجمعية الوطنية الكلمة الأخيرة فى بعض التشريعات، ما أتاح تمرير النص، رغم اعتراض مجلس الشيوخ، فى خطوة اعتبرها مؤيدو القانون ضرورية، لإنهاء سنوات من الجدل التشريعى.

وعقب التصويت، أشاد ماكرون بما وصفه بـ«النقاش المحترم والمسئول» الذى دار داخل البرلمان، معتبراً أن التعامل مع هذه القضية يعكس قدرة المؤسسات الديمقراطية على مناقشة أكثر الملفات حساسية بروح من المسئولية. أما صاحب المبادرة التشريعية، أوليفييه فالورنى، فقد وصف مسار القانون بأنه «ماراثون ملىء بالعقبات»، فى إشارة إلى السنوات التى استغرقها المشروع، قبل الوصول إلى التصويت النهائى.

ووفقاً للتقرير، فإن التشريع الجديد لا يفتح الباب أمام إنهاء الحياة بصورة مطلقة، وإنما تقصر الاستفادة منه على حالات محددة للغاية، فالمستفيد يجب أن يكون شخصاً بالغاً يعانى مرضاً غير قابل للشفاء، ويتعرض لآلام جسدية مستمرة لا تستجيب للعلاج، أو يعتبرها غير محتملة، حتى إذا اختار وقف العلاج أو الامتناع عنه، كما يشترط أن يكون المريض قادراً على التعبير بحرية كاملة عن إرادته، وأن يكون مدركاً لجميع تبعات قراره.

ويتولى الطبيب المختص فحص الحالة، والتأكد من استيفاء جميع الشروط القانونية، قبل عرضها على لجنة مختصة، بينما يبقى القرار النهائى بيد الطبيب، مع احتفاظ المريض بحقه الكامل فى العدول عن طلبه فى أى وقت. وفى الأحوال العادية، يتولى المريض بنفسه تناول الدواء المخصص لإنهاء حياته، إلا أن القانون يسمح للطبيب أو أحد أفراد الطاقم الطبى بالمساعدة، إذا حالت الإعاقة الجسدية دون قدرة المريض على القيام بذلك بنفسه.

ورغم اعتماد القانون، فإن مساره لم ينته بعد، فالحكومة الفرنسية قررت إحالة النص إلى «المجلس الدستورى»، أعلى هيئة مختصة بمراقبة دستورية القوانين، للتأكد من توافقه مع المبادئ الدستورية الفرنسية. ويملك المجلس صلاحية إقرار القانون، أو المطالبة بتعديل بعض مواده، أو حتى إبطاله، إذا تبين وجود مخالفة دستورية، وهو ما يجعل قراره المرتقب حاسماً فى مستقبل هذا الإصلاح.

ولا تزال المعارضة اليمينية تعتبر المشروع تجاوزاً لخط أحمر أخلاقى، إذ يرى عدد من قادة حزب «الجمهوريين» أن الدولة يجب أن تركز على تطوير خدمات «الرعاية التلطيفية»، بدلاً من تقنين المساعدة على إنهاء الحياة.

فى المقابل، يؤكد مؤيدو المشروع أن القانون لا يشجع على إنهاء الحياة، وإنما يمنح المرضى، الذين يواجهون معاناة لا أمل فى علاجها، حقاً استثنائياً فى اتخاذ قرار شخصى، داخل إطار قانونى صارم، يخضع لرقابة طبية وقضائية.

يأتى هذا التطور فى وقت تتزايد فيه النقاشات الدولية حول تشريعات نهاية الحياة، مع استمرار عدد من الدول الأوروبية وبعض الولايات الأمريكية فى تطبيق قوانين تسمح، وفق شروط محددة، بـ«القتل الرحيم»، أو «الانتحار بمساعدة طبية»، بينما تواصل دول أخرى رفض هذه الممارسات، لأسباب دينية أو أخلاقية.

ويرى مراقبون أن التجربة الفرنسية ستصبح مرجعاً مهماً فى هذا الجدل العالمى، ليس فقط بسبب مكانة فرنسا السياسية والقانونية، ولكن أيضاً لأن القانون جاء بعد سنوات من الحوار المجتمعى والنقاش البرلمانى، ويرتبط بتحول واضح فى موقف رئيس الجمهورية نفسه، الذى انتقل من التخوف من الانقسام المجتمعى، إلى الاقتناع بأن الدولة مطالبة بوضع إطار قانونى يمنح المرضى حرية الاختيار، مع توفير أعلى درجات الحماية والرقابة.


مواضيع متعلقة