وسقط عَلَم الماكرين

بين القضاء والقدر يعيش البشر أغلب أحداثهم ويومياتهم. صحيح أن كليهما متصل، حتى لو بدا منفصلاً، وكليهما يؤدي إلى الآخر، لكن لكل منهما سياقه في كافة المواقف التي نعيشها.. كان القدر أن تكون مصر هي كلمة السر في إحياء القضية الفلسطينية، ووضعها في المكانة التي تليق بنضال أصحاب الأرض، وتدويل القضية، والبحث عن أصوات تردد الهتافات مدوية: «فلسطين حرة». وكان القضاء أن يأتي رؤساء وملوك العالم ويستمعوا إلى صوت الحكمة والرواية الصحيحة كما قالها لهم الرئيس السيسي، فتتغير مواقفهم ووجهات نظرهم، ويعودوا إلى دولهم وقد تعطرت ألسنتهم بالاعتراف: «فلسطين دولة»، وأن الكيان عدو مستعمر آن له أن يأتمر بأمر العالم، ويصغي إلى الحلول وينفذها.

كان القدر أن يتم هذا تزامناً مع الحرب الشعواء التي أخذت من فلسطين الدولة قرابة عامين، ومن فلسطين الإنسانية قرابة 74 ألف شهيد و174 ألف مصاب، بخلاف مئات المفقودين ومثلهم من المدفونين تحت الأنقاض، الذين لم يتسنَّ حصرهم بعد، بحسب بيانات الصحة الفلسطينية. وكان القضاء أن تتصدى مصر، وتساندها في تصديها دول مثل فرنسا وإسبانيا وإنجلترا. ومن وقتها صارت للدول الثلاث محبة خالصة وخاصة، محبة تظهر آثارها في الزيارات الرسمية، ووصلت إلى ملاعب الكرة.

كان القدر أن تخرج مصر من كأس العالم، والقضاء أن يتم الخروج على يد الأرجنتين. وبدت القسوة أن يكون الخروج بظلم بيّن وجور على حق شعب يحب الفرحة ويجري خلفها بالمشوار، وفريق يقاتل من أجل دخول التاريخ، ودولة قررت أن يكون مقامها بحسب ما يليق بها. هنا تسللت الكراهية إلى النفوس، وصار «ميسي» ورفاقه أعداء تقليديين، خاصة بعدما رفعوا لافتات وأعلام الكيان، وأعلن الكيان تشجيعه لهم. صار لنا معهم ثأر، وصارت لهم معنا موقعة لا مباراة. تناسى الملايين حبهم للساحر «ميسي»، وتذكروا ما ارتكبه في حق حلمهم المشروع.

خرجت الملايين تشجع أي فريق يلعب أمام الأرجنتين، رغم أنها، على مستوى الكرة، واحد من المنتخبات التي يعشقها المصريون ويفضلونها على مدار التاريخ. غيرت مباراة مصر في الدور الـ16 ثوابت كثيرة. لأول مرة يهتف المصريون للاعبي إنجلترا، ولأول مرة يمزقون تيشيرتات «ميسي» ورفاقه، ويباهون بمواقفهم هذه.

ولأول مرة يصل المنتخب الأرجنتيني إلى نهائي كأس العالم ولا يقف المصريون معه. وتتوجه الهتافات المشجعة والمؤيدة، والدعوات التي انطلقت من القلب، حارة قوية بقوة الإحساس بالهزيمة، لتشجع إسبانيا أمام المارد الأرجنتيني.. كأن القدر يحسم اللعبة لصالح مصر مجدداً، وتهزم إسبانيا الأرجنتين، ويفرح المصريون باستجابة دعواتهم وتحقق أمنياتهم. وكما رفع المصريون وعميد منتخبهم علم فلسطين، يرفع الفريق الفائز بكأس العالم، عن استحقاق، علم فلسطين. وكما سجد الفريق المصري مع كل شوط مباراة، ومع كل هدف، سجد لامين يامال بإعلان الحكم صافرة النهاية وفوز منتخبه بكأس البطولة. تسقط دموع «ميسي» ورفاقه، كما سقط من أيديهم علم الكيان، والذي كان فأل شؤم على الفريق حين أعلنت إسرائيل دعم الأرجنتين وتشجيع منتخبها.

لا تُقرأ الصورة إلا على هذا النحو، ولا نستقبل من إشاراتها سوى أننا منتصرون، بما حققناه وما نويناه، حتى ولو لم يتحقق. حققنا السلام لفلسطين، ونشرنا دعوتها على الملأ، فصارت عَلماً في كل محفل رسمي يرفعه العرب وغير العرب على السواء. وحققنا الفخر لجيل ذهبي من لاعبي الكرة، آمن بنفسه وبما يملكه من مهارات، ووجد من آمن به وأتاح له الفرصة والإمكانات، فحقق إنجازاً يُنسب له.. لم يعكر هذه الفرحة وينقص منها سوى بعض الممارسات المراهقة غير المسئولة، التي تقاسمها بعض اللاعبين وأسرهم، وبعض صفحات السوشيال ميديا ووسائل إعلام بئر السلم.. وإلى أن تنضبط الصورة وتعود قواعدها، لنا أن نفرح فرحتين: واحدة لإسبانيا لأنها تستحق، وواحدة لفلسطين لأن عَلَمها ارتفع، وسقط عَلَم الماكرين.