حدود الصبر الاستراتيجي!
الشاهد أن حكماء وحكام الدول المجاورة لإيران لا يزالون متمسكين بالحكمة الشديدة ويصرون على عدم الانغماس في مغامرة عسكرية لن تنتهي إذا ما بدأت، إذا ما تقرر الرد على التجاوزات العسكرية الإيرانية الفجة والاعتداءات غير المقبولة وغير المبررة التي تقوم بها إيران نكاية في الولايات المتحدة الأمريكية التي تشتبك في معركة عسكرية مع إيران منذ أواخر فبراير الماضي.
الشاهد أيضاً أن هذه الحكمة التي تمسكت بها دول الخليج، وهي ما أطلق عليها «الصبر الاستراتيجي»، لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، خصوصاً مع المماحكات الإيرانية المستمرة، ومع الرغبات المكنونة في عقول المؤثرين في القرار الإيراني، التي يعتقدها البعض ساعية إلى إشعال مواجهات عسكرية مع الدول المجاورة.
الشاهد أيضاً أن الولايات المتحدة الأمريكية لا يبدو أن لديها تصوراً واضحاً لهذه الجولة من المواجهات العسكرية والدبلوماسية مع إيران، فالولايات المتحدة أو بالأحرى الرئيس الأمريكي الحالي، هو من وضع لهذه الحرب مع رئيس وزراء دولة الكيان الغاصب، هدفاً واضحاً ومحدداً من البداية هو تغيير النظام الحاكم في إيران، ورغم نجاح الضربات المشتركة في استهداف حياة رأس النظام الإيراني وعدد من كبار رموز الحكم السياسيين والعسكريين، إلا أن إيران استطاعت تلقي هذه الضربة المؤثرة، وتقدم الصفوف قيادات بديلة محل القيادات الراحلة.
وحيال تبدد هذا الهدف تغيرت الأهداف الأمريكية أو بالأحرى تأرجحت بين ما قالت الولايات المتحدة إن الهدف أصبح إضعاف القوة العسكرية الإيرانية، ثم قالت إن الهدف هو تحييد البرنامج النووي الإيراني!
الأداء الإيراني في مواجهة الحملات العسكرية الأمريكية أحياناً، والعسكرية الإسرائيلية أحياناً أخرى، لم يكن، بحسب متابعين، بالأداء المقابل أو القادر على المواجهة الشاملة، ولكن يمكن وصفه بالأداء الصامد، إلى أن قررت إيران اعتبار مضيق هرمز ورقة الضغط التي يمكن أن تؤثر على الولايات المتحدة بشكل مباشر وعلى غالبية دول العالم عامة، وعلى الدول المعتمدة في استخداماتها للطاقة المارة عبر مضيق هرمز خاصة، وبالطبع تأتي دول الخليج بين الدول المتأثرة بالتطور العسكري والتشابك أو بالأحرى التعقيد في الموقف في المنطقة.
من جانب آخر، كان لافتاً بروز مواقف عالمية غريبة أو غير مستساغة، حيال تلك الحرب.. فأوروبا الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية وعلى مدى عقود طويلة امتدت منذ نهايات الحرب العالمية الثانية، واستمرت حتى وجود الإدارة الأمريكية السابقة، ويربطهم تكتل أو تحالف عسكري هو «حلف الناتو».. هذه الحرب كشفت انتهاء هذا التحالف وبدا كثير من الأعضاء من دول أوروبا منتقداً ومهاجماً ورافضاً تقديم التسهيلات العسكرية المعتادة في مثل هذه الأمور، على الجانب الآخر بدا الرئيس الأمريكي غير عابئ بهذا التفكك للحلف القديم.
الدول المتأثرة اقتصادياً وبشكل مباشر وكبير، وهي دول ليست بالقليلة عدداً وعدة، وعلى رأسها وفي مقدمتها الصين، بدت هي الأخرى في موقف المتابعين أو المتفرجين!
في ظل كل هذه التطورات والمستجدات لا تزال الدول العربية المرتبطة بهذه الأزمة غير المسبوقة تلتزم بالصبر الاستراتيجى، وتحرص على حماية سيادتها وحدودها ومصالحها، بأقصى درجة من درجات الحرص والالتزام بعدم التورط في أتون حرب، لن تهدأ أو تخمد إذا ما اشتعلت لسبب أو لآخر، وهو ما يدعونا إلى ضرورة مساندة ودعم التوجه الحكيم للدول الخليجية في هذه المرحلة، وهو أمر لا يقتصر على النواحي العسكرية فقط، ولكن يتوجب على كافة النواحي التي يمكن أن تدعم هذا التوجه الذي يعد من أخطر المؤثرات التي تعترض الأمن القومي العربي عامة، والأمن القومي الخليجي خاصة.