فوز إسباني بطعم «العدالة»
هناك انتصارات تُقاس بالأهداف، وأخرى تُقاس بما تتركه في ضمير الشعوب، فوز إسبانيا بالنسبة لكثيرين أكثر من مجرد انتصار في مباراة كرة قدم. كان لحظة شعر فيها آلاف المشجعين بأن ميزان العدالة الذي اختل طويلاً داخل الملاعب قد عاد ليستقيم ولو مرة واحدة أخيراً. لم يكن غريباً أن تتجول في الحانات البريطانية، فتجد أن كل الحاضرين من مختلف الأعمار تقريباً يهتف لإسبانيا، ليس لأنهم إسبان، بل لأنهم رأوا في هذا الفوز انتصاراً لفكرة أكبر من كرة القدم نفسها، فكرة ترفع عنهم الشعور بانتصار الظلم وعدم اللعب النظيف، فعندما بدأت مصر في كشف حقائق الفساد التحكيمي وانتقد عدد كبير من محللي الكرة الإنجليز سرقة المباراة من مصر تكرّر سيناريو مشابه أمام إنجلترا، لذلك احتشد الإنجليز في الحانات يهتفون ضد الأرجنتين، فهذا يقول: «كانت لا بد أن تكون هذه المباراة إسبانيا وإنجلترا، أو إسبانيا ومصر»، والآخر يقول «أي فريق يكسب، ولكن ليس الأرجنتين».
الرياضة، مهما حاول البعض حصرها داخل المستطيل الأخضر، لا تنفصل أبداً عن الضمير الإنساني. وعندما يشعر الناس بأن مباريات كبرى شابتها قرارات تحكيمية مثيرة للجدل، فإنهم لا ينسون بسهولة، تبقى الذاكرة حاضرة، ويبقى البحث عن لحظة يستعيد فيها المشجع ثقته بأن العدالة ما زالت ممكنة. لهذا لم يكن تشجيع إسبانيا مجرد انحياز لمنتخب، بل انحياز لمبدأ، فالجماهير بطبيعتها لا تعشق القوة بقدر ما تعشق الإنصاف، ولا تلتف حول المنتصر دائماً، بل حول من ترى أنه يعيد الاعتبار لقيمة العدالة، خاصة أن الفريق الإسباني بذل مجهوداً أكبر، وله تسديدات أكثر على المرمى الأرجنتيني وهو الأكفأ، فالفور هنا ذهب لمن يستحقه فعلاً وليس بطرق ملتوية فاسدة تُشبع مصالح معينة. لذلك كانت الفرحة عارمة وصاخبة في الحانات الإنجليزية، وكذلك على صفحات التواصل الاجتماعي.
وفي مصر، كان الشعور أكثر عمقاً. فما زالت حالة الغضب التي صاحبت الجدل التحكيمي في مباراة مصر والأرجنتين حاضرة في الذاكرة. بالنسبة لكثير من المصريين، لم تكن القضية مجرد خسارة مباراة، بل شعور بأن الحلم سُلب بقرارات تحكيمية ظالمة أثارت نقاشاً واسعاً. لذلك جاء انتصار إسبانيا وكأنه رسالة معنوية تقول إن الظلم، مهما طال، لا يستطيع أن يحتكر المشهد إلى الأبد.
كذلك في العالم العربي، فقد حملت الفرحة بُعداً آخر يتجاوز الرياضة تماماً. إسبانيا، خلال الأشهر الماضية، كانت من أكثر الدول الأوروبية جرأة في التعبير عن مواقفها تجاه المأساة الإنسانية في غزة، ورفعت صوتها مطالبة بحماية المدنيين، وانتقدت العدوان الإسرائيلي وحرب الإبادة، واتخذت مواقف لاقت احتراماً واسعاً في العالم كله لنصرة الحق والإنسانية. ولهذا لم يعد المنتخب الإسباني بالنسبة لكثيرين مجرد فريق يرتدي القميص الأحمر، بل صار يحمل -ولو بصورة رمزية- صورة دولة اختارت أن يكون لها موقف إنساني عملي وثابت في وقت فضّل فيه آخرون الصمت، وطمس حقيقة شاهدوها على الهواء مباشرة من قتل الأبرياء وتجويع الأطفال وحرق عائلات بأكملها دون أن تشعر حكومات هذه الدول الغربية بأدنى تأنيب للضمير!
ومن هنا التقت مشاعر المصريين والعرب مع مشاعر كثير من البريطانيين، لكن كلٌ لأسبابه الخاصة. البريطاني رأى في الفوز فرصة لاستعادة الإيمان بعدل الرياضة، والعربي رأى فيه أيضاً تحية لدولة شعر بأنها لم تتخلّ عن إنسانيتها وضميرها، في واحدة من أكثر القضايا إيلاماً في العصر الحديث.
كرة القدم كانت دائماً مرآة للعالم، لا نسخة منفصلة عنه. في المدرجات لا يهتف الناس للأهداف فقط، بل للأفكار أيضاً. يهتفون للكرامة، وللعدالة، وللإنصاف، وللأمل في أن يكون العالم أقل ظلماً مما يبدو. ولهذا، لم يكن الاحتفال بانتصار إسبانيا احتفالاً بكأس أو بهدف أو صافرة نهاية. كان احتفالاً بإحساس نادر بأن الحق ما زال قادراً على أن يجد طريقه، وأن العدالة، حتى إن تعثّرت، لا تموت. قد لا تغيّر مباراة كرة قدم موازين السياسة، ولا تُنهى حرباً، ولا ترد حقاً ضائعاً. لكنها تستطيع أن تذكّر البشر بحقيقة بسيطة: أن الإنسان، أينما كان، يظل منحازاً بالفطرة إلى العدالة، ويصفّق لكل من يعتقد أنه يمثلها.
ولهذا كان طعم الانتصار مختلفاً، لم يكن طعم الذهب.. بل طعم العدالة بالنسبة لهؤلاء الذين ما زالوا يحتفظون بآدميتهم.