«اِلحق لك قالب»
إنه مثل شعبي يلخص لك فكر «الجالسين على الخرائب»، ذلك الذي يقول: «لو بيت أبوك خرب.. اِلحق لك فيه قالب». إنه يحمل فكرة تدميرية، فبدلًا من أن يحاول الإنسان إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حوائط بيت أبيه، يبادر إلى انتزاع قالب أخير يسند أحد الحوائط ويهرب به. نماذج عديدة على هذا الصنف من البشر، الذين يجسدون هذه الفكرة المقيتة، تجدهم في «تجار الأزمات» و«الباحثين عن المنافع وسط الخرائب».
على مدار التاريخ كان للحروب تجار، وللأزمات الاقتصادية تجار، بل وللأزمات الفردية تجار، يجتهدون في حصد المكاسب والمغانم على حساب آلام وأوجاع غيرهم. في الحروب يشح الوارد من السلع فترتفع الأسعار، ويصبح بإمكان من يحتفظ بمخزون ضخم منها أن يجني أرباحًا هائلة، فقد اشترى بالرخيص وباع بالغالي، والنتيجة أن يصبح «غني حرب».
وفي الأزمات الاقتصادية تضرب الفوضى الأسعار، ويستغل فاقدو الضمير من التجار الأمر، فيرفعون الأسعار على هواهم، يرفع تاجر الجملة السعر جنيهًا، فيرفع تاجر التجزئة جنيهين، وهكذا تتواصل سلاسل التخريب، دون أن يمد أحد يده إلى الإنقاذ. حتى الأزمات الفردية التي قد يمر بها إنسان أو إنسانة معينة قد تجد من يستغلها ويحاول الاستفادة منها.
من جديد تتناقض الفكرة التي يحملها هذا المثل الشعبي الخطير مع ما نروّجه عن أنفسنا من أننا «شعب متدين»، فقيم الدين تحث على الإصلاح والإعمار، وليس على التخريب واستغلال الأزمات، والتربح منها لتحقيق ثراء غير موضوعي، لا يعتمد على الاجتهاد قدر ما يعتمد على استغلال حاجة الناس، واحتكار ما يسد حاجتهم.
فالمسلم منهيّ عن أكل أموال الناس بالباطل، لأن في ذلك قتلًا للنفس، من خلال قتل المجموع، فالعدوان على الآخرين وظلمهم يعني العمل ضد ما أراده الله للحياة من استمرارية، وللكون من إعمار.
يقول تعالى في سورة «النساء»: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا».
فالله تعالى نهى عن نهب وسلب حقوق الآخرين، بل أمر المؤمنين بأن يصطفوا من أجل الدفاع عن مجتمع تسوده العدالة وعدم أكل الحقوق. قال تعالى في سورة «آل عمران»: «وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ». فالغلول يعني الجور على حقوق الآخرين، حتى ولو كانت شبرًا أو ذراعًا من الأرض.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض -أو في الدار- فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعًا، فإذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين إلى يوم القيامة».
هكذا دافعت قيم الإسلام وأخلاقياته عن الحياة، ووجّهت المسلم إلى إنقاذ بيت أبيه، وإقامة حوائطه فوق أكتافه، لا أن يلحق قالبًا منه، حين يتهاوى أمام عينيه.