القديسة العارية!

أمانى هولة

أمانى هولة

كاتب صحفي

 وسط ضباب يوم خريفى بارد، تختبئ خلفه فى خجل شمس الشمال الشحيحة، وقد ألقت ظلالاً باهتة على أرميد البيوت الإنجليزية القديمة، لترسم عليها أشجار البتولا مزيجاً من أشباح هائمة تقوم برقصتها الأثيرة على هدير رياح الشمال المعربدة، يتشكل من بين الضباب الكثيف ظل مقبل فى صمت مهيب لا يخرقه سوى صوت ارتطام حدوات جواد فارس وحيد على أحجار الميدان الكبير فى وسط المدينة، تبدو الملامح أكثر وضوحاً شيئاً فشيئاً، إنها امرأة تقود جوادها صامتة جميلة لكنها عارية تماماً، يرخى شعرها الطويل على الجسد أستاراً مبعثرة غير وافية، يمضى الركب الغريب فى طرقات المدينة المسحورة كما فى كتب الحواديت، يمر على البيوت والحوانيت، فما قصة تلك المدينة؟ ومن هى تلك العارية الجميلة، ساقطة، غانية، بائعة هوى، امرأة رخيصة، عربيدة؟ إنها الليدى جودايفا «lady Godiva» زوجة ليوفريك «Leofric» حاكم البلاد هناك بعيداً فى مدينة كوفنترى «coventry» فى بلاد الإنجليز القديمة.

هناك الكثير من الأقوال حول صدق الحكاية، فهناك من يدعى أنها من نسج خيال الشعراء والأدباء وحكايات الجدات حول نار المدفئة شتاء، وهم مطالبون من عيون الصغار المليئة بالشغف والبراءة بحكايات السذاجة والأمل، حيث يجب أن ينتصر الخير فى النهاية، وهناك من المؤرخين من يعلنون أنها واقع جميل، كالخير فى قلوب الطيبين، وكصوت العصافير، ولكن الحقيقة الوحيدة أن تمثالها أمام كاتدرائية كوفنترى وأشهر ميادينها يقف شامخاً يعلن أنها موجودة أو هكذا يجب أن تكون فى عالم ينسى سريعاً لماذا وجدنا فى هذا العالم، وقد انتشر الرمز فى بلاد كثيرة واستغله حتى صانعى أغلى نوع شكولاته.

تقول الأسطورة إن الأميرة الجميلة العاشقة للفقراء ظلت تلح على زوجها العنيد أن يرحم الشعب الفقير من الجباية الجائرة ويخفض عنهم الضرائب الكثيرة، ولكن قلب الملك لا يلين، ومن كثرة إلحاح الجميلة المستميتة من أجل الفقراء العاجزين، قرر أن يتخلص من السؤال دون أن يرفض طلباً لحبيبته التى لا يقوى على غضبها، فقرر أن يضع شرطاً مستحيلاً لتنفيذ الرجاء، فأعلن فى البلاط الملكى رداً على نوبة من نوبات توسلها الذى لا يلين، أنه مستعد لتخفيض الضرائب بشرط واحد فقط هو أن تمضى الأميرة على حصانها فى طرقات المدينة عارية، فضحك الجميع إلا واحدة، وتسرب الشرط الملعون كدعابة يتندر بها الغلمان فى المدينة همساً، بين زفرات اليأس وهمهمات الأسى، حتى أشرقت شمس يوم جديد على استحياء أكثر من عادتها فى بلاد الضباب، وفُتح باب القصر الكبير لتخرج الأميرة عن كل الأعراف والتقاليد الإنجليزية العريقة، تاركة صولجان الملك وتاجه، محملاً بكبرياء الملكة الأنثى، وتعلو صهوة فرسها الأثير عارية من كل شىء، حتى من آخر ورقة توت لا تستر عرى فقير، مضحية بكرامة إنسان واحد من أجل كرامة شعب جائع، وينكشف الصدر البض لقسوة طعنات سهام الخوض وتحمل عار اتهامها بأنها ساقطة قولاً، حتى تنقذ الآلاف من الفتيات من أن يحملن عار أن يصبحن ساقطات فعلاً، يستيقظ الملك على الخبر المهول، يجن غاضباً، يقرر أن يقتل كل من رأى الجسد الملكى، ولكن هل يقتل شعباً كاملاً، نزل كالمجنون، فإذا بالمدينة خاوية، والملكة وحيدة على صهوة جوادها فى أكبر ميادينها، فقد عرف الجميع بتضحية الملكة الكبيرة وبلا اتفاق مسبق قرر الجميع الاختفاء فى البيوت وإغلاق الأبواب والنوافذ حتى لا يرى أحد جسد الملكة العارى، وأرخت الجفون ستائر الستر عن مفاتن الجميلة، وجمحت صهيل شهوة الرجال عن الطاهرة العارية فوق جواد الفداء فى أرجاء البلاد، السائرة فى الطرقات بجسد عار وقلب قديسة من أجل فضيلة ستر شعب من الجوع والعوز.

ولأن كلمة الملوك لا ترد فقد تحقق لجودايفا ما أرادت لشعبها الفقير، لنكتشف أنه ليس كل ما نراه يشى بالحقيقة، فليرجموها ما أرادوا ليلعنوها فى جلساتهم الهنيئة، أمام موائد الطعام والشراب، وليسخر من يشاء وليلوك سيرتها الأصوليون والوصوليون والسلفيون والمكابرون والسفسطائيون ولكن ليعلم الجميع أن كل آراء الفلاسفة فى العالم عديمة القيمة ما لم تكن كافية لإطعام جائع وكبح شهوة من أجل قيمة أكبر، وقد حققت السماء معادلة ستر الإنسانة المخلصة لإنسانيتها معلية قيمها الإنسانية على كل الاعتبارات المادية بإلهام شعب بأسره بسترها عن عيونهم بإرادتهم، فحتى لو رجموها بألف حجر وهجاء ستبقى جودايفا رغم أنف الجميع رمزاً للعطاء.