«المثوى الذي لا تغيب عنه الزهور».. قصة مدفن عبدالناصر الشاهد الصامت على ذكرى ثورة يوليو

كتب: يسرا البسيوني

«المثوى الذي لا تغيب عنه الزهور».. قصة مدفن عبدالناصر الشاهد الصامت على ذكرى ثورة يوليو

«المثوى الذي لا تغيب عنه الزهور».. قصة مدفن عبدالناصر الشاهد الصامت على ذكرى ثورة يوليو

في قلب القاهرة، وعلى مقربة من مسجد يحمل اسمه، يقع ضريح الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في هدوء لافت، بعيدا عن صخب السياسة وضجيج الجدل التاريخي، هنا، لا يتوقف الزائر فقط أمام شاهد قبر، بل يقف أمام محطة تختزن جانبا أصيلا من ذاكرة مصر، ورمز ارتبط اسمه بثورة 23 يوليو 1952، التي أعادت تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في مصر لعقود.

في كل عام، ومع حلول ذكرى الثورة، يعود الضريح ليتصدر دائرة الاهتمام، ليس فقط باعتباره مزارا تاريخيا، بل كشاهد على مرحلة لا تزال تنبض في وجدان أجيال تعاقبت؛ بين من عاصر أحداثها، ومن يقرأ فصولها في كتب التاريخ.

ضريح يحمل ملامح صاحبه

لا يعرف كثيرون أنّ ضريح جمال عبدالناصر لم يصمم ليكون مبنى فخما أو تحفة معمارية تستعرض الزخارف، على العكس، جاءت تفاصيله متسقة مع الصورة التي حرص عبدالناصر على ترسيخها عن نفسه، البساطة والوقار.

يقع الضريح داخل نطاق مسجد جمال عبدالناصر بمنطقة منشية البكري، حيث تتداخل قدسية المكان مع رمزية الشخصية، ومنذ اللحظة الأولى لدخول الساحة الخارجية، يلفت الانتباه الهدوء الذي يسيطر على المكان، وكأنّ الزمن يتحرك فيه بوتيرة مختلفة.

الأرضيات الرخامية، والنقوش الإسلامية الهادئة، والإضاءة الطبيعية المتسللة إلى الداخل، كلها عناصر تمنح الزائر شعورا بالسكينة، بعيدا عن المبالغة التي تميز بعض الأضرحة التذكارية حول العالم.

قبر لا تغيب عنه الزهور

وسط القاعة الرئيسية يستقر الضريح، يعلوه شاهدا رخاميا بسيطا، نُقشت عليه آيات من القرآن الكريم واسم الرئيس الراحل، بينما تحيط به أكاليل الزهور التي تتجدد في المناسبات الوطنية، خاصة خلال ذكرى ثورة يوليو وذكرى رحيله.

ولا يخلو المكان من زائرين يقصدونه على مدار العام، فمنهم من يأتي بدافع الفضول التاريخي، ومنهم من يحرص على قراءة الفاتحة واستعادة ذكريات مرحلة عاشها بنفسه، بينما يكتفي آخرون بالتأمل في المكان الذي يختصر فصلا كاملا من تاريخ مصر الحديث.

لا يستمد الضريح أهميته من البناء وحده، بل من موقعه في الوعي الجمعي للمصريين، فهو ليس مجرد مثوى أخير لرئيس سابق، بل مساحة تلتقي فيها السياسة بالتاريخ، وتتشابك فيها روايات الانتصارات والإخفاقات، والأحلام الكبرى التي صاحبت مشروع يوليو.

فمن هذا الاسم ارتبطت قرارات الإصلاح الزراعي، وتأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، ومجانية التعليم، والتوسع الصناعي، كما ارتبط أيضا بنكسة يونيو 1967، في مشهد يعكس تعقيدات مرحلة لا يمكن اختزالها في لون واحد.

ولهذا، يبقى الضريح شاهدا صامتا على حقبة صنعت كثيرا من التحولات التي ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم.

مشهد يتكرر كل 23 يوليو

مع كل ذكرى لثورة يوليو، يشهد الضريح حركة مختلفة عن بقية أيام العام، شخصيات عامة، ومسؤولون، ومواطنون عاديون، يتوافدون لوضع أكاليل الزهور وقراءة الفاتحة، بينما تستعيد عدسات المصورين تفاصيل المكان، وتعود صور الضريح لتتصدر التغطيات الصحفية والتليفزيونية.

ورغم مرور أكثر من نصف قرن على رحيل عبدالناصر، فإنّ المكان لا يزال يحتفظ بحضوره الرمزي، باعتباره أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ الجمهورية المصرية.

زيارة ضريح جمال عبدالناصر لا تشبه زيارة موقع أثري أو مزار سياحي تقليدي، بل هي مواجهة مباشرة مع جزء من التاريخ المصري بكل ما يحمله من إنجازات وتحديات وأسئلة مفتوحة.

ففي هذا المكان، لا يتحدث الرخام وحده، بل تتحدث سنوات من التحولات الكبرى، وتتعاقب أمام الزائر صور الملايين التي خرجت في ميادين مصر تؤيد الثورة، وصور الجنود على الجبهات، ومشروعات التنمية، وخطابات عبدالناصر التي كانت تصل إلى كل بيت عربي.

ولهذا، يبقى الضريح، في ذكرى ثورة 23 يوليو، أكثر من مجرد مثوى لرئيس راحل؛ إنه علامة باقية على مرحلة صنعت ملامح الجمهورية، وما زالت حاضرة في الذاكرة الوطنية، مهما اختلفت القراءات والرؤى حولها.


مواضيع متعلقة