«الواسطة».. والنوم «ع البسطة»
من أخطر الأمثال التي تصف الحالة المصرية في الماضي والحاضر وربما في المستقبل أيضاً الأمثال التي تتعلق بـ«الواسطة». فلعبة الواسطة من أكثر الألعاب القديمة المتجددة في حياة المصريين، ما جعل أغلبهم على قناعة كاملة بأنها تمثل المفتاح الأنجح لفتح كل الأبواب المغلقة. أمثال كثيرة تشير إلى ذلك، مثل المَثل الذي يقول: «اللي له واسطة ما يتوهش»، فصاحب الواسطة يعرف طريقه إلى ما يريد ويصل إليه، والمثل الذي يقول: «اللي ليه ضهر ما ينضربش على بطنه»، يعني من له شخص قوي يسنده لا يمكن أن يُضرب على بطنه، وسيظل واقفاً على قدميه، ولا ينحني أمام ضربة تصيبه في بطنه.
حديثاً شاع بين الكثيرين عبارة ذهبت بينهم مذهب المثل، تقول: «من له واسطة أكل البسطة.. واللي ما له واسطة نام على البسطة». فالشخص الذي يوجد من يدعمه ومن يسنده يفوز بالمكاسب والمغانم والمواقع والمناصب، فهو دائماً ما يطعم البسطة (نوع من الحلوى) يباع على فرشة تسمى البسطة، أما من ليس له واسطة فعليه أن يستعد للنوم في الشارع أو في الهواء الطلق، أو على حد صانع هذا القول «على البسطة»، أي على عتبة بيتهم. فالشخص الذي يسير في الحياة -دون واسطة- يصعب عليه تحقيق أحلامه، حتى ولو كان مجتهداً جديراً بها ومستحقاً لها، أما صاحب الواسطة فيحصد ما يريد بقوة من يقف وراءه.
تحتفظ الذاكرة المصرية بمثل يقول: «يا بخت من كان النقيب خاله»، وتشير كلمة «نقيب» إلى رئيس أي مجموعة يمكن أن يلعب دوراً في دعم أولاد شقيقته. ولم يعرف المصريون خلال القرن السابع عشر والثامن عشر نقيباً أشهر من نقيب الأشراف في مصر، ولعلك تعرف أن عمر مكرم كان يلقب بـ«النقيب»، لأنه كان نقيباً للأشراف، وقد حصد من موقعه في هذه النقابة مكانة معنوية كبيرة، أهّلته لأن يعمل ملتزماً ويجني، عبر سياسة الالتزام، العديد من المغانم والأرباح، ثم سار الناس خلفه حين تزعم حركة تعيين محمد علي باشا والياً على مصر. ومؤكد أن أسرة عمر مكرم، وخصوصاً أبناء شقيقاته، استفادوا من الوضع المتميز لـ«خالهم النقيب».
سيطرة «فكرة الواسطة» على العقل المصري تتنافى أولاً مع فكرة التوكل على الله، فالله تعالى هو صانع الأقدار، ولو كان للإنسان نصيب في شيء فسوف ينال حظه منه ولو وقفت الدنيا كلها ضده، لأن أمر الله نافذ، ولا يدري الإنسان ماذا يختبئ له -من خير أو شر- فيما يطمح إليه أو يحلم به. قال تعالى: «مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ».
لكن ذلك لا يعني الاستسلام لسيطرة الواسطة على مجريات الواقع، فوجودها داخل مجتمع ينذر بخرابه ودماره، فتصَدُّر الأقل قيمة وكفاءة للمشهد يشكل جوهر الفساد الذي يؤدي إلى إرباك حياة البشر، بل وتسميمها. وقد أمر الله تعالى بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم العادل بين الناس ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب. قال تعالى في سورة «النساء»: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ»، وأمر أيضاً بعدم انتقاص الحقوق.. قال تعالى «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ».
الواسطة طريق لهضم الحقوق.. وهضم الحقوق طريق الخراب.