علاء عابد يكتب: مصر بين ثورتين.. «23 يوليو» - «30 يونيو»

كتب: محرر

علاء عابد يكتب: مصر بين ثورتين.. «23 يوليو» - «30 يونيو»

علاء عابد يكتب: مصر بين ثورتين.. «23 يوليو» - «30 يونيو»

بعد 163 عاماً من إعلان الثورة الفرنسية أن السيادة مصدرها الأمة، كانت مصر على موعد مع ثورة 23 يوليو 1952، وبعد 61 عاماً أخرى كانت على موعد مع ثورة 30 يونيو 2013، وهما لحظتان تاريخيتان اختلف سياقهما لكنهما وضعتا الدولة المصرية أمام منعطفين أعادا رسم مسارها السياسي والوطني.


وكما قال الرئيس القائد عبدالفتاح السيسي إن ثورة يوليو 1952 «كانت منارة في طريق شعوب العالم الثالث، وأشعلت جذوة التحرر في الأمة العربية والقارة الأفريقية، ومن خلالها استعادت مصر سيادتها ورسخت استقلال قرارها الوطني الذي لن يُمسّ ولن يتزعزع».


في التاريخ المصري الحديث تبرز محطتان فارقتان لا يمكن فهم مسار الدولة المصرية المعاصرة من دونهما، وهما: ثورة 23 يوليو 1952 التي أنهت النظام الملكي وأسست الجمهورية، وثورة 30 يونيو 2013 التي استعادت الدولة من حكم «الجماعة الإرهابية»، وبين التاريخين 61 عاماً من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تغيرت خلالها مصر بصورة جذرية، وتغيرت خرائط القوى الإقليمية والدولية، لكن ظل سؤال الدولة حاضراً، كيف تحافظ مصر على استقلال قرارها ووحدة مؤسساتها وأمنها الوطني وقدرتها على تحقيق التنمية؟
جاءت ثورة 23 يوليو في سياق سياسي واجتماعي معقد، فقد كانت البلاد محتلة من الإنجليز، والنظام الملكي يعاني أزمات متعددة، بينما كانت الفوارق الاجتماعية والاقتصادية شاسعة، لذلك لم تكن الثورة مجرد تغيير في رأس السلطة، بل كانت مشروعاً لإعادة بناء الدولة والمجتمع، ففي سبتمبر 1952 صدر قانون الإصلاح الزراعي، ليحد من الملكيات الزراعية الكبيرة ويعيد توزيع مساحات من الأراضي على صغار الفلاحين، في خطوة أحدثت تحولاً كبيراً في بنية المجتمع المصري. ثم أُعلنت الجمهورية عام 1953، وتم إلغاء الملكية، لتدخل مصر مرحلة جديدة من تاريخها، وتوالت بعد ذلك محطات كبرى رسخت مفهوم السيادة الوطنية، كان على رأسها تأميم قناة السويس عام 1956، ثم مواجهة العدوان الثلاثي، إلى جانب مشروع السد العالي، الذي ارتبط بالتنمية والسيطرة على الموارد المائية والطاقة.


بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر عام 1970، دخلت مصر مرحلة جديدة مع الرئيس أنور السادات، ثم جاءت حرب أكتوبر 1973، تلتها تحولات اقتصادية وسياسية انتهت بتوقيع معاهدة السلام عام 1979. وفي عهد الرئيس حسني مبارك، الذي تولى الحكم عام 1981، استمرت الدولة المصرية في الحفاظ على مؤسساتها المركزية، لكن تراكمت في المقابل تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية.


ثم جاءت 25 يناير 2011، ودخلت مصر مرحلة انتقالية مضطربة انتهت بوصول «الجماعة الإرهابية» إلى الرئاسة في يونيو 2012.


لكن العام التالي شهد أزمة سياسية واقتصادية ومجتمعية متصاعدة، ووفق بيانات البنك الدولي، بلغ عدد سكان مصر عام 2013 نحو 95.3 مليون نسمة، فيما سجّل النمو الاقتصادي نحو 2.2% فقط، في ظل ارتفاع العجز والديون والبطالة والتضخم، وهي مؤشرات عكست حجم الضغوط التي كانت تواجه الدولة والمجتمع.
وفي 30 يونيو 2013 خرجت الملايين في مختلف المحافظات المصرية، في ثورة شعبية مطالبة بإسقاط حكم «الجماعة الإرهابية» في واحدة من أكبر التحولات السياسية في تاريخ مصر الحديث.


23 يوليو 1952 جاءت لإسقاط الملكية وبناء الجمهورية وإعادة توزيع السلطة والثروة، بينما كانت 30 يونيو 2013 ثورة شعبية لحماية الدولة الوطنية ومنع اختطافها من جانب جماعة إرهابية ذات مشروع أيديولوجي.
في عام 1952 كان عدد سكان مصر نحو 20 مليون نسمة تقريباً، بينما تجاوز عددهم 95 مليوناً عام 2013، أي إن الدولة دخلت «30 يونيو» وهي تواجه كتلة سكانية تقارب خمسة أضعاف ما كانت عليه عند قيام الجمهورية عام 1952.


ومن ثم تغيرت طبيعة التحديات. كانت معركة يوليو تتمحور حول الاستقلال الوطني وإنهاء الملكية والعدالة الاجتماعية وبناء الجمهورية. أما في يونيو 2013، فقد أصبحت الأولويات مرتبطة بـالاستقرار السياسي والأمن والاقتصاد والبطالة والخدمات والهوية الوطنية والحفاظ على مؤسسات الدولة.


بعد 30 يونيو، أُقر دستور جديد عام 2014، وأُجريت انتخابات رئاسية، ثم بدأت الدولة في تنفيذ مشروعات واسعة في البنية الأساسية والطاقة والطرق والإسكان، إلى جانب مشروع قناة السويس الجديدة الذي افتُتح عام 2015.


وبين الثورتين، قطعت مصر رحلة طويلة من التحولات، من ملكية إلى جمهورية، اقتصاد موجَّه إلى انفتاح، حرب إلى سلام، نظام سياسي مركزي إلى تعددية، ثم ثورة 30 يونيو واستعادة الدولة المختطفة.


لكن الدرس الأعمق الذي تكشفه التجربة المصرية هو أن الدولة ظلت قادرة في اللحظات المفصلية على إعادة إنتاج نفسها ومواجهة أزماتها، ففي 23 يوليو كانت لحظة تأسيس للجمهورية، بينما كانت في 30 يونيو لحظة استعادة الدولة وإعادة تعريف لمسارها.


وبين التاريخين، لا تكمن المسافة الحقيقية في 61 عاماً فقط، بل في رحلة دولة كاملة بحثت خلالها مصر عن معادلة الاستقلال والاستقرار والتنمية والعدالة.


سيظل فهم الحاضر المصري ناقصاً من دون قراءة ثورتي 23 يوليو و30 يونيو باعتبارهما لحظتين تاريخيتين فارقتين، جمع بينهما سؤال واحد: كيف تحمي مصر دولتها وتحافظ على تماسك مجتمعها وتصنع مستقبلها واستقرارها؟


مواضيع متعلقة