خبير اقتصادي: «رقمنة الأسواق» حل سحري للاستفادة من العوائد المليارية للاقتصاد غير الرسمي
خبير اقتصادي: «رقمنة الأسواق» حل سحري للاستفادة من العوائد المليارية للاقتصاد غير الرسمي
د. محمد أنيس: بناء مجتمع «لا نقدي» يحمي المستهلك ويزيد من إحكام الرقابة.. وهي المغناطيس الأقوى للاستثمار الأجنبي
حوار: ريم رفيق
قال الخبير الاقتصادي، الدكتور محمد أنيس، إن رقمنة الأسواق تعني الانتقال الشامل من الاعتماد على المعاملات النقدية التقليدية «الكاش» إلى تنفيذ الدورة المالية بالكامل إلكترونياً، بما يشمل الحصول على الأموال أو إنفاقها، موضحاً الفوارق الجوهرية بين ميكنة المعاملات والرقمنة الكاملة. وأضاف «أنيس»، في حواره لـ«الوطن»، أن الرقمنة تعد أحد أبرز عوامل الجذب للاستثمار الأجنبي، وأن الشركات العالمية تقيس مؤشر سهولة ممارسة الأعمال، مشيراً إلى أنه كلما اعتمدت الدولة على المعاملات الرقمية السريعة والشفافة بدلاً من البيروقراطية والتعاملات الورقية البطيئة، زادت تنافسيتها وجاذبيتها للمستثمر، الذي يبحث عن بيئة عمل مرنة.. وإلى نص الحوار:
■ في البداية.. ماذا تعني رقمنة الأسواق؟ وكيف تختلف عن المعاملات التقليدية؟
- رقمنة الأسواق تعني الانتقال الشامل من الاعتماد على المعاملات النقدية التقليدية «الكاش» إلى تنفيذ الدورة المالية بالكامل بشكل إلكتروني، سواء في الحصول على الأموال أو إنفاقها. وهنا يجب أن نفرق بوضوح بين مفهوم «الميكنة» ومفهوم «الرقمنة». المعاملات المالية مرت بثلاث مراحل تاريخية، المرحلة التقليدية وكانت تعتمد على زيارة فروع البنوك لسحب النقد خلال مواعيد العمل، ثم مرحلة «الميكنة» التي أتاحت سحب الأموال عبر ماكينات الصراف الآلي ATM على مدار الساعة، لكن مع استمرار الاعتماد على الكاش في البيع والشراء، أما المرحلة الثالثة والأهم فهي «التحول الرقمي» أو رقمنة الأسواق، وبموجبها تصبح عمليتا الحصول على المال وإنفاقه إلكترونيتين بالكامل دون الحاجة للمس الورق النقدي، وهو ما يقودنا إلى بناء مجتمع غير نقدي «كاش».
■ لماذا أصبح ملف دمج الاقتصاد غير الرسمي أولوية للدولة؟ وما حجم هذا الاقتصاد؟
- هذا الملف يمثل أولوية قصوى بسبب الحجم الضخم الذي يستحوذ عليه هذا القطاع، إذ تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد غير الرسمي كان يمثل ما بين ثلث إلى نصف حجم الاقتصاد الكلي في مصر، ما يعني وجود تريليونات الجنيهات خارج المنظومة الرسمية وغير مرصودة بدقة. خطورة هذا الوضع لا تقتصر على الجانب المالي، بل تمتد إلى غياب الرقابة والمتابعة الصحية والصناعية والضريبية، مما يشكل خطراً مباشراً على المواطن، فعندما يتعامل المواطن مع مطعم أو مصنع مرخص، فهو يضمن وجود رقابة حكومية على الجودة والسلامة، بينما الأنشطة غير المرخصة تعرضه لمشكلات صحية أو خسائر تجارية، لذلك، فإن هدف الدولة من الدمج ليس جباية الضرائب، بل حماية المواطن، وتوفير بيانات دقيقة تتيح تخطيطاً اقتصادياً ناجحاً.
دمج «صغار المنتجين» لا يستهدف التخويف ويفتح أمامهم أبواب التمويل البنكي لتوسيع أنشطتهم
■ كيف تسهم رقمنة الأسواق ودمج الاقتصاد غير الرسمي في زيادة إيرادات الدولة بالمليارات؟
- المكاسب الاقتصادية ضخمة ومتعددة، فإدخال هذه الأنشطة تحت المظلة الرسمية يرفع تلقائياً من حجم الناتج المحلي الإجمالي للدولة، وهو ما يؤدي مباشرة إلى خفض نسبة الدين العام مقارنة بحجم الاقتصاد، مما يحسن تصنيف مصر الائتماني. أما على صعيد الإيرادات، فإن انضمام هذه الشركات يوسع القاعدة الضريبية بصورة منظمة، ففي مصر تدور نسبة الإيرادات الضريبية حول 15% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة منخفضة مقارنة بالدول الناشئة المشابهة التي تتراوح نسبتها بين 25% و30%، ما يعكس وجود مساحة هائلة لتعظيم الموارد وتخفيض عجز الموازنة، ومع ذلك، فإن الدولة قد تعفي الأنشطة المتناهية الصغر، لأن الأولوية هي رصدها ومعرفة حجمها الحقيقي.
■ كيف يمكن تقنين الاقتصاد غير الرسمي؟
- الدمج الناجح لا يعتمد على أساليب التخويف أو فرض العقوبات، بل يتحقق بذكاء عبر التوسع في التحول الرقمي وأدوات الشمول المالي، وعندما تصبح البيئة الاقتصادية قائمة على الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية، يجد صاحب النشاط نفسه مدفوعاً تلقائياً وبسلاسة للعمل بشكل رسمي لتلبية رغبات عملائه، فالرقمنة هي الوسيلة المثلى لحصر الأنشطة وتقليص الاعتماد على الكاش وتعزيز شفافية الأسواق وربطها بالمنظومة المصرفية.
■ هل يمكن أن تؤدي رقمنة الأسواق إلى جذب استثمارات أجنبية جديدة؟
- بكل تأكيد، الرقمنة هي المغناطيس الأقوى للاستثمار الأجنبي حالياً، فالشركات العالمية تقيس مؤشر سهولة ممارسة الأعمال، وكلما اعتمدت الدولة على المعاملات الرقمية السريعة والشفافة بدلاً من البيروقراطية والتعاملات الورقية البطيئة، زادت تنافسيتها وجاذبيتها للمستثمر الذي يبحث عن بيئة عمل مرنة، وأما عن القطاعات المستفيدة، فإن الرقمنة ترفع كفاءة الاقتصاد بأكمله دون استثناء، وتحديداً قطاعات الصناعة، التجارة، الخدمات، اللوجيستيات، والقطاع المالي.
■ ما العوائد المتوقعة حال نجاح الدولة في دمج الاقتصاد غير الرسمي ورقمنة الأسواق؟
- هذا النجاح سيحدث قفزة نوعية ونقلة تاريخية للاقتصاد، وسنشهد نمواً متسارعاً في الصادرات وتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، بجانب خلق ملايين من فرص العمل المستدامة وتحقيق استقرار وتوازن كبير في الأسواق المحلية، باختصار الشمول المالي والرقمنة لم يعودا رفاهية، بل هما ضرورة حتمية لضمان نمو التنافسية ومواكبة الاقتصاد العالمي. جنى الثمار
المواطن يجني ثمار الرقابة الصارمة على الأسواق، ما يضمن له الحصول على سلع وخدمات مطابقة للمواصفات القياسية والصحية، أما أصحاب المشروعات الصغيرة، فإن العمل في الظل يحرمهم من التوسع، فالكيانات غير المرخصة لا يمكنها إبرام شراكات مع مصانع كبرى أو الدخول في سلاسل التوريد الرسمية التي تشترط الفواتير والمستندات القانونية، في المقابل يمنحهم الترخيص قوة تنافسية، ويفتح أمامهم أبواب التمويل البنكي بمختلف مستوياته، فضلاً عن الاستفادة من الدعم الفني، البرامج التدريبية، والخدمات التي تقدمها الاتحادات الصناعية والنقابات الرسمية.