محمود مرزوق يكتب: سيرة الشيخ خضر الكردي
محمود مرزوق يكتب: سيرة الشيخ خضر الكردي
يعتبر المؤرخون أن الظاهر بيبرس البندقدارى هو المؤسس الفعلى لدولة المماليك التى حكمت مصر والشام زهاء ثلاثة قرون من الزمان، وقد حفلت سيرة الظاهر بيبرس بالعديد من المواقف الفارقة، ففى مبتدأ حياته أثارت زُرقة عينيه خوف تاجر الرقيق الذى اشتراه، فقرر التخلص منه سريعاً وبيعه لتاجر رقيق آخر، ليستقر به المقام ضمن مماليك السلطان الصالح نجم الدين الأيوبى. ومع تقلب الأيام تحول بيبرس إلى قائد عسكرى محنّك ساهم بنصيب وافر فى هزيمة الصليبيين فى معركة المنصورة، والمغول فى عين جالوت، ثم سلطان اعتلى العرش بعد مقتل قطز. استمرت سيرة الظاهر بيبرس تتردد على الألسن حتى أصبح له سيرة شعبية تقدمه كبطل مغوار يرددها الرواة والحكواتية على مقاهى المحروسة.
لم تقتصر فصول سيرة الظاهر بيبرس على كونه سلطاناً لمصر والشام فحسب، بل قدمت سيرته فصولاً تكشف عن أنماط التفكير وتصورات السلاطين عن الدين وعلاقته بالسياسة والحكم، وتمثل علاقة بيبرس بالشيخ خضر الكردى العدوى فصلاً مثيراً من فصول علاقات الحكام برجال الدين.
كان خضر الكردى شيخاً لم يعرف بعد طريق الاتصال بأرباب الحكم وذوى الحظوة والسلطان، حتى أطلق نبوءة مفادها أن بيبرس البندقدارى سيصبح سلطاناً. نقل هذه النبوءة إلى بيبرس مملوكٌ يُدعى قشتمر العجمى، فى وقت كان فيه بيبرس مجرد مملوك عادى ضمن المماليك الصالحية. طلب بيبرس آنذاك كتمان الأمر، تاركاً الأيام تكشف ما تخبئه. وحين تحققت النبوءة فعلاً وأصبح بيبرس سلطاناً، ازداد إيمانه بكرامات الشيخ خضر، فبنى له زاوية خاصة، وصار ينزل من القلعة أسبوعياً لزيارته. بل إن بيبرس أطلق اسم «خضر» على أحد أبنائه تيمناً بشيخه صاحب الكرامات، وهذا النمط - تقرُّب الحاكم من رجل دين يمنحه شرعية - تكرر كثيراً عبر العصور الوسطى. لم يكتفِ بيبرس بذلك، بل جعل من الشيخ خضر مرشداً له فى حملاته العسكرية، إذ كان يوجهه إلى الاتجاه الذى يدخل منه إلى مدينة بعينها ليفتحها، فيتم له ما أراد من انتصارات!
اكتسب خضر الكردى نفوذاً واسعاً فى السلطنة المملوكية بحكم قربه من السلطان، حتى بات لا يجرؤ أحد على التعرض له. غير أن سلوكه اتسم بتناقض صادم: فقد دخل كنيسة القيامة فى القدس وقتل أحد رهبانها، وحوّل معبداً يهودياً فى الشام إلى مسجد، ووصلت شكاوى أمراء المماليك إلى حد اتهامه بالتعرض لنسائهم. هذا التناقض بين مكانته الروحية وأفعاله المشينة يطرح تفسيرين: إما أنه كان شخصاً خارجاً عن الالتزام الدينى، أو أنه كان منتمياً إلى فرقة «الملامتية»، وهى إحدى فرق التصوف التى ظهرت فى النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى بمدينة نيسابور فى خراسان، على يد رجال اشتُهروا بصدقهم فى طريق التصوف وامتازوا بالورع والتقوى الحقيقيين وبقوة العاطفة الدينية ومجاهدة النفس ومحاسبتها على كل تقصير.
وقد اختار أتباع هذه الفرقة تسميتها بـ«الملامتية» أو «الملامية»؛ لأن الاسم مشتق من الملامة واللوم والنفس اللائمة التى تؤنّب صاحبها وتحاسبه على كل ما يصدر عنه، وكان يحمل فى الوقت نفسه دلالة على جهاد النفس ونهيها عن الباطل. ولم تبقَ هذه الحركة حبيسة نيسابور، بل استمدت عناصرها من أصول سبقتها فى تاريخ التصوف، ثم شقت طريقها إلى أوساط صوفية وغير صوفية أخرى، وهو ما يفسر انتشار أفكارها لاحقاً فى مناطق مثل الشام ومصر، حيث عاش خضر الكردى. وقد اهتم الباحثون قديماً وحديثاً برصد هذا التيار، إذ ألّف عالم الحديث والتصوف أبوعبدالرحمن السلمى (المتوفى سنة ٤١٢هـ) رسالة بعنوان «الملامتية وغلطات الصوفية» تناول فيها أقوال شيوخ هذا المذهب، كما خصّص الكاتب أبوالعلا عفيفى فى العصر الحديث كتاباً كاملاً بعنوان «الملامتية والصوفية وأهل الفتوة» لدراسة هذه الفرقة ونشأتها وأصولها الفكرية. وبين هؤلاء الزهاد الأوائل الذين حرصوا على إخفاء عباداتهم وإظهار عيوبهم، وبين شطحات لاحقة ابتعدت عن جوهر الفكرة الأصلية لتقترب من انتهاك الشرع والعقل، مسافة طويلة، يبدو أن خضر الكردى كان قد قطعها بالكامل، إن صحّ انتماؤه لهذا التيار.
مع تصاعد الشكاوى، استدعى بيبرس الشيخ خضر لمحاسبته فى جلسة أشبه بالمحاكمة، وواجهه بالتناقض الصارخ بين مكانته الروحية وأفعاله، فرد عليه الشيخ بجرأة لافتة: إنه مجرد إنسان عادى، وأن الناس أنفسهم هم من رفعوه فوق مقام البشر ومنحوه صفة القداسة التى لم يدّعِها.
هذا الرد، بما يحمله من تنصّل ذكى من المسئولية، وضع بيبرس فى موقف حرج: فهو من جهة سلطان يملك سلطة الحساب والعقاب، ومن جهة أخرى مريد مؤمن بكرامات شيخه لا يستطيع النيل منه. وانتهى الأمر بحل وسط، فاكتفى بتحديد إقامته داخل القلعة، على أن يعيش معززاً مكرماً فى أفضل حال. وقبل أن يمضى الشيخ خضر إلى منفاه الاختيارى هذا، أطلق نبوءته الأخيرة، فقال إن من يموت منهما أولاً سيلحق به الآخر بعد مدة قصيرة، فى تأكيد ضمنى على الرابط القدرى الذى جمع بينهما منذ اللقاء الأول. وتحققت هذه النبوءة أيضاً على نحو مثير للدهشة؛ إذ توفى الشيخ خضر أولاً ودُفن فى زاويته التى بناها له بيبرس فى منطقة الظاهر بالقاهرة، وبعد أسابيع قليلة فقط مات الظاهر بيبرس فجأة أثناء وجوده فى دمشق، ليُدفن فيها، تاركاً خلفه واحدة من أغرب العلاقات وأكثرها تعقيداً بين السلطة السياسية والتصوف فى تاريخ الدولة المملوكية، علاقة بقيت تُروى وتُناقَش دون أن يُحسم فيها الجدل بين الكرامة والخرافة.