«تحالف رباعي» لإعادة صياغة منظومة الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط
«تحالف رباعي» لإعادة صياغة منظومة الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط
فى وقت يشهد فيه الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحله اضطراباً خلال العقود الأخيرة، تتزايد الدعوات إلى إعادة صياغة منظومة الأمن الإقليمى بما يمنح دول المنطقة دوراً أكبر فى إدارة أزماتها.
وفى هذا السياق، طرحت صحيفة «تشاينا ديلى» تصوراً يرى أن تعاوناً استراتيجياً بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان قد يمثل نقطة انطلاق لبناء إطار أمنى جديد، أكثر قدرة على مواجهة التحديات المتصاعدة وتحقيق الاستقرار طويل الأمد.
تشير الصحيفة الصينية فى تقريرها إلى أن الحرب فى غزة، والتوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد المخاطر فى البحر الأحمر وشرق البحر المتوسط، كشفت جميعها عن محدودية النظام الأمنى الذى ساد المنطقة لعقود، وعجزه عن منع اندلاع الأزمات أو احتواء تداعياتها قبل أن تتحول إلى تهديدات إقليمية ودولية تمتد آثارها إلى التجارة العالمية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.
ويرى التقرير أن انشغال القوى الكبرى بأولوياتها الدولية، وتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية الداخلية عليها، يقلص من قدرتها على لعب دور الضامن الرئيسى للاستقرار فى الشرق الأوسط، وهو ما أوجد فراغاً استراتيجياً، يدفع دول المنطقة إلى التفكير فى بناء منظومة أمنية أكثر استقلالاً، تعتمد على التعاون الإقليمى، بدلاً من الاعتماد الكامل على القوى الخارجية.
يمنح التقرير مصر موقعاً محورياً فى هذا التصور، مستنداً إلى ثقلها العسكرى والدبلوماسى، ودورها التاريخى فى الوساطة وتسوية النزاعات، فضلاً عن موقعها الجغرافى وسيطرتها على قناة السويس، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية. كما يبرز الدور المتنامى للمملكة العربية السعودية، التى باتت تنظر إلى الاستقرار الإقليمى باعتباره شرطاً أساسياً لإنجاح برامج التحول الاقتصادى ضمن «رؤية 2030»، وهو ما انعكس فى تحركاتها الدبلوماسية خلال السنوات الأخيرة.
وفى المقابل، يلفت التقرير إلى أن تركيا تمتلك صناعة دفاعية متقدمة وقوة عسكرية كبيرة، إلى جانب نفوذ جيوسياسى يمتد من البحر الأسود وشرق المتوسط إلى القوقاز وآسيا الوسطى، بينما تضيف باكستان بعداً استراتيجياً مهماً بفضل حجم قواتها المسلحة وخبرتها فى مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، بما يوسع نطاق أى تعاون إقليمى ليشمل جنوب آسيا.
ويعتبر التقرير أن اجتماع هذه الدول الأربع يمنحها ثقلاً ديموغرافياً واقتصادياً وعسكرياً كبيراً، ويضع بين أيديها عدداً من أهم الممرات البحرية وأسواق الطاقة فى العالم.
لكنه يؤكد فى الوقت نفسه أن امتلاك عناصر القوة لا يكفى وحده لبناء نظام أمنى مستدام، إذ يبقى التحدى الحقيقى فى تحقيق توافق سياسى بين دول تختلف أولوياتها ورؤيتها لعدد من الملفات الإقليمية، وفى مقدمتها سوريا وليبيا وإيران وشرق البحر المتوسط.
ويشدد التقرير على أن التجارب الدولية أثبتت أن المنظمات الإقليمية الناجحة لا تقوم على إزالة الخلافات بالكامل، وإنما على إنشاء مؤسسات وآليات دائمة لإدارتها ومنع تحولها إلى صراعات مفتوحة. ويرى أن الشرق الأوسط لا يزال يفتقر إلى إطار مؤسسى شامل يضم آليات للتشاور السياسى، وإدارة الأزمات، والتعاون الاستخباراتى، وتأمين الملاحة البحرية، وحماية البنية التحتية الحيوية، والتنسيق فى مكافحة الإرهاب.
ويطرح التقرير أيضاً تساؤلاً حول مستقبل أى نظام أمنى إقليمى فى حال استبعاد إيران، معتبراً أن موقعها وتأثيرها فى معادلات المنطقة يجعلان من الصعب تجاهلها. ومن ثم يقترح أن يكون أى تعاون رباعى نواة لحوار أمنى أوسع وأكثر شمولاً، يمكن أن يتطور تدريجياً مع توافر الظروف السياسية المناسبة.
ولا يفصل التقرير بين الأمن والتنمية الاقتصادية، مؤكداً أن السلام المستدام يرتبط بوجود مصالح اقتصادية متبادلة. ويرى أن توسيع التجارة، وربط شبكات النقل والطاقة، وتشجيع الاستثمارات الصناعية، وتعزيز التعاون فى مجالات التحول الرقمى والأمن الغذائى يمكن أن يرسخ الثقة السياسية ويقلل دوافع الصراع بين دول المنطقة.
ويخلص التقرير إلى أن التحدى الحقيقى لا يتمثل فى إنشاء تحالف جديد بقدر ما يتمثل فى تغيير مفهوم الأمن فى الشرق الأوسط، بحيث ينتقل من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى منعها قبل اندلاعها.
ويرى أن نجاح هذا التصور سيعتمد على قدرة الدول المعنية على بناء الثقة المتبادلة، وتجاوز الخلافات، وإنشاء مؤسسات دائمة للتنسيق والتعاون، بما قد يضع الأساس لنظام أمنى إقليمى أكثر توازناً واستقلالية، تقوده دول المنطقة نفسها، بدلاً من أن تظل أولوياته رهينة لتنافس القوى الدولية.