علي الفاتح يكتب: عقدة إيران ستظل تلاحق البيت الأبيض
علي الفاتح يكتب: عقدة إيران ستظل تلاحق البيت الأبيض
يقول وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى إن قيام فلوديمير زيلينسكى بالاعتداء على سفينة تجارية إيرانية فى بحر قزوين جاء بتحريض إسرائيلى لتوريط أوروبا فى الحرب، لكن ذلك لا ينفى الدور الأمريكى، فربما أراد دونالد ترامب أن يطبق الحصار البحرى على إيران من بحر عمان إلى قزوين، حيث الملاحة التجارية الآمنة مع روسيا.
الرئيس الأوكرانى اعترف فى تغريدة عبر موقع إكس بأن قواته نجحت فى تنفيذ عملية عسكرية بعيدة المدى بضرب سفينة ببحر قزوين، قال إنها كانت محملة بالأسلحة والمعدات الحربية متجهة من الموانئ الروسية إلى إيران.
الاستهداف جاء على بعد نحو ألف كيلومتر من عمق الأراضى الأوكرانية، بحسب تقارير صحفية، وقد تسبب فى مقتل بحار وإصابة ثلاثة آخرين.
تقول إيران إن السفينة التجارية كانت محملة بالحديد لا بالأسلحة، وطالب عراقجى مفوضة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس بمحاسبة أوكرانيا.
ليس من المهم هنا نوع حمولة السفينة، فحتى إذا كانت تنقل القمح أو لبن الأطفال، ستستهدفها قذائف وصواريخ زيلينسكى.
ربما يكون لإسرائيل دور كما أشار عراقجى، لكن على الأرجح أن تدخل أوكرانيا يأتى فى سياق استراتيجية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لتضييق الخناق وتشديد الحصار الاقتصادى على الموانئ الإيرانية، فالرئيس الأمريكى لا يريد أن يترك منفذ بحر قزوين مفتوحاً للملاحة الآمنة، التى تضمن استمرار التبادل التجارى بين إيران وحليفتها روسيا.
زيلينسكى هنا يلعب دور الوكيل، وربما يشهد بحر قزوين توتراً وتصعيداً وتكرار العمليات الأوكرانية الحربية ضد السفن التجارية الإيرانية ليكمل بذلك حلقة الحصار، الذى تفرضه واشنطن.
تجدر الإشارة إلى أن الجيش الأمريكى قام خلال عدوانه على إيران، أثناء الـ13 يوماً السابقة على قرار ترامب بتجميد العمليات العسكرية، باستهداف عدد من الجسور الحيوية وخطوط السكك الحديدية، التى تسهم فى عملية التبادل التجارى بين إيران وبعض جيرانها، والهدف تدمير ما تبقى من الاقتصاد الإيرانى وتجويع الإيرانيين وقطع أى اتصال لهم بالعالم الخارجى.
إطباق الحصار الاقتصادى على إيران الخيار الوحيد الذى تبقى أمام القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية، بعد أن فشلت كل خياراته العسكرية فى تحقيق أى من أهداف تلك الحرب الملعونة.
حتى مساء الجمعة 24 يوليو 2026 كان دونالد ترامب يهدد ويتوعد بتوجيه أكبر ضربة عسكرية فى التاريخ لتدمير الدولة الإيرانية وربما إبادتها، وفق ما نقله موقع «أكسيوس» الأمريكى.
وفجأة أعلن ترامب تجميد كافة العمليات العسكرية ضد إيران وإعطاء الفرصة للجهود الدبلوماسية.
موقع «أكسيوس» وصحيفة «نيويورك تايمز» نقلا عن مصادر فى البيت الأبيض أن قرار ترامب بإرجاء العملية العسكرية الموسعة جاء تحسباً لتداعياتها الإقليمية والدولية، وذكرت شبكة سى إن إن نقلاً عن مصادر أن رئيس هيئة الأركان الأمريكية دان كين حذر فى اجتماع مع ترامب من قرب نفاد مخزونات الصواريخ والقذائف الهجومية والدفاعية الحساسة والمتطورة، ما يجعل موقف الولايات المتحدة حرجاً إذا اضطرت إلى خوض حرب جديدة فى أى من ساحات التزاماتها الدولية.
غير أن خطر نفاد مخزونات الذخيرة الأمريكية ليس السبب الوحيد، فقد نقل موقع يورونيوز عن وكالة تسنيم الإيرانية ارتفاع حجم الخسائر الأمريكية فى عمليات الـ13 يوماً فقط إلى نحو 20 مليار دولار.
وأوضحت «يورونيوز» أن هذه الخسارة الكبيرة تجسدت فى تدمير مراكز القيادة والتحكم ورادارات المراقبة الأرضية، علاوة على رادارات منظومات الدفاع الجوى ومراكز تحليل البيانات، إضافة إلى حظائر الطائرات الاستراتيجية وتدمير ثمانى طائرات مسيرة حديثة الصنع وعدد من طائرات الهليوكوبتر وأخرى للتزود بالوقود، وفوق ذلك أماكن إقامة الجنود.
وتشير بعض التقارير الاستخباراتية إلى سقوط أكثر من 550 جندياً أمريكياً بين قتيل وجريح، لا يستطيع وزير الحرب الأمريكى بيت هيجسيث الإعلان عنهم، خشية رد فعل الرأى العام الأمريكى.
بعيداً عن دقة تلك المعلومات بشأن خسائر الجيش الأمريكى فى الأرواح والمعدات تابعنا جميعاً مشاهد الدمار وألسنة اللهب داخل القواعد الأمريكية، التى تم استهدافها فى منطقة الشرق الأوسط، وفيما يعد تأكيداً لصحة بعض تلك المعلومات على أقل تقدير نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية عن عسكريين أمريكيين قولهم إن الصواريخ والمقذوفات الإيرانية كانت تجد طريقها بسهولة لضرب أهدافها داخل القواعد العسكرية الأمريكية، بعد أن نجحت فى التطبيع مع منظومات الدفاع الجوى، بما تملكه من قدرات فائقة على المناورة.
مثل هذه الشهادات تملأ الصحافة الأمريكية قبل غيرها، ناهيك عن الصور المسربة من هواتف الجنود الأمريكيين، التى كشفت حجم الدمار الهائل والحرائق المرعبة التى التهمت أماكن إقامتهم، وهو ما يعزز رواية سقوط أكثر من 550 جندياً خلال العمليات الأخيرة فقط.
ليس أمام ترامب سوى تجميد أعماله العدائية أمام هذا الحجم المعلن وغير المعلن من الخسائر، وأمام ثمار العلقم المر التى حصدها من العدوان على إيران، سواء فى يونيو 2025، ما عرفت بحرب الـ12 يوماً، أو فى حرب الـ40 يوماً التى بدأت فى 28 فبراير الماضى، أو فى عدوان الـ13 يوماً الأخيرة.
فى كل مرة كانت العزيمة الإيرانية تشتد بأساً، وهناك مثل بدوى رائع يعرفه أهل صحارينا فى الشرق الأوسط يقول: «النصر بالعزيمة وليس بالقوة وحدها»، ويعنى أن عزيمة الفارس وصلابته هى التى تضمن له الانتصار قبل زنده، الذى يحمل السيف.
ترامب أسقط فى يده أمام العزم والإصرار الإيرانى، وأصبح فريسة للإحباط، ولم يتبق له من أدوات القوة سوى التهديد والوعيد، دون أن يجرؤ على استخدامهما، فهو يدرك أن المزيد من التصعيد العسكرى لا يعنى سوى المزيد من الخسائر الفادحة فى الأوراح والعتاد، ناهيك عن الأزمة الاقتصادية التى ستضرب الولايات المتحدة بشكل غير مسبوق.
فضرب منشآت وحقول البترول ومصادر الطاقة الحيوية فى إيران سيتبعه تدمير مثيلاتها فى دول الخليج، التى تضمن تدفقاتها استقرار أسعار الطاقة، فحتى إذا دمر إيران عن بكرة أبيها فذلك يعنى أيضاً تدمير الاقتصاد الأمريكى، وإضعاف جيش أكبر قوة عظمى أمام خصومها الرئيسيين (روسيا والصين).
قد تكون موافقة إيران على الاقتراح العمانى بتشكيل تحالف إقليمى لإدارة مضيق هرمز، بعيداً عن واشنطن ونفوذها، المخرج الوحيد للرئيس المهزوم من هذه الحرب.
فى تقديرى كان رئيس الولايات المتحدة سيلجأ إلى هذا الخيار حتى لو لم تكن هناك كل تلك الخسائر الهائلة، والسبب صلابة الموقف الإيرانى، وحتى يتوقف هذا النزيف الحاد من رصيد الهيبة الأمريكية، بل وهيبة الرئيس شخصياً قبل نزيف الدماء ومخزونات الصواريخ.
خلاصة القول ستظل إيران عقدة تلاحق كل رئيس يدخل البيت الأبيض فى مرحلة ما بعد ترامب، فمعادلة العزم غلبت حسابات الشعور بفائض القوة، فربما تكون إيران القشة التى قصمت ظهر القطب الأوحد لتفتح الباب أمام عالم جديد متعدد الأقطاب.