دع القرف وابدأ الكفاح

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

«البلد لازم تمشى. وواجبنا نحميها بكل ما أوتينا من قوة. علينا أن ندعم المرشح الصالح فقط. هذا الوقت ليس وقت الشباب. الموضوع لم يعد يتحمل الهزار». «البلد لو لم تدمج الشباب فى كل كبيرة وصغيرة ستنفجر، إن لم يكن اليوم فغداً. والانفجار هذه المرة سيأتى على الأخضر واليابس». «الوقت لا يسمح بأية معارضة، لا وطنية ولا شريفة ولا عفيفة. نحن فى حالة حرب، ولو لم نعبر بمصر إلى بر الأمان بسرعة سنضيع جميعاً».

«حال البلد بدون معارضة لن يستوى. لا توجد دولة محترمة لا توجد فيها معارضة. سياسة تكميم الأفواه هذه نهايتها سوداء». «المشروعات الكبرى التى تشهدها مصر من قناة السويس الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة غير شبكة الطرق الرائعة لم تحدث منذ عصر محمد على». «مصر لم تكن فى حاجة إلى قناة جديدة، ومسألة العاصمة الجديدة مرعبة لأنها ليست أولوية. وإذا كنا سنفخر بشوية طرق، فإن هذا يعنى عودة عصر مبارك حيث الإنجازات تتلخص فى المحور ونفق الأزهر والطريق الدائرى».

«البرلمان المقبل يجب أن يكون داعماً للرئيس معضداً للحكومة مشدداً من أزر المسئولين، المنطقة على صفيح ساخن والاصطفاف الوطنى لم يعد رفاهية». «البرلمان المقبل يجب أن يكون معارضاً للرئيس، مراقباً لكل كبيرة وصغيرة فى أداء الحكومة، وحكاية الاصطفاف الوطنى تلك شكل من أشكال إحكام القبضة على المصريين».

لم تمر مصر بمثل ما تمر به هذه الآونة من زخم كلامى، وحراك تعبيرى، وزنخ حوارى. ما سبق من آراء وتوجهات دارت رحاها فى جلسة واحدة لم تزد على الـ90 دقيقة حفلت بكل ما لا يلذ أو يطيب من الشطحات الفكرية والنطحات الذهنية التى يسميها الإخوة اللبنانيون «طق حنك».

وبعيداً عن كل التحالفات والتآلفات والانشقاقات والتشققات والتسلخات وكل ما له علاقة بالقيل والقال، علينا أن نسأل أنفسنا: كيف تخرج البلاد من عثراتها وتبدأ مسيرتها نحو غد ربما يكون أفضل؟! فمن غير المنطقى أن ينشغل كل مصرى ومصرية، سواء بلغ أو لم يبلغ بعد، بأدق تفاصيل السياسات الكونية والدولية والإقليمية والمحلية وكأنها قوت يومه وضمان مستقبله.

ضرورى جداً أن يكون كل منا مطلعاً على ما يجرى حوله، وملماً بما يدبر له، ومتعمقاً فى شئون الإرهاب الدولى وصناعة القرار الأممى والتخطيط السفلى للعوالم العليا والتنضيد الفكرى للتخطيط الـتآمرى. لكن أن يكتفى بهذا الإلمام، ويسقط كل ما عليه من مهام، فيصحو من نومه على تنظير سياسى، ويذهب إلى عمله حيث الحوار الاستراتيجى، ويتوجه إلى المقهى من أجل التحليل العسكرى، ثم يذهب إلى بيته حيث النهل من مناهل الهبد والرزع الدائرين على مدار الـ24 ساعة والقابعة فى شاشات التليفزيون، فهذا عين الجنون ومعنى الموت البطىء.

ولو قدر لـ«ديل كارنيجى» أن يكون على قيد الحياة، فأغلب الظن أنه كان سينبذ كتابه الأشهر «دع القلق وابدأ الحياة» ليخرج علينا بنسخة مصرية صميمة عنوانها «دع القرف وابدأ الحياة». وربما يحوى كتاب «كارنيجى» الذى لم يكتبه بعضاً من المقترحات التالية:

■ امض وقتاً أقل على «فيسبوك» و«تويتر» واملأ وقت الفراغ إما بعمل إضافى أو عمل خيرى، أو حتى ازرع سطح بيتك أو نظفه من الكراكيب.

■ حين يباغتك أحد المشمأنطين من أنصار «مصر ضاعت» و«البلد راحت» و«المستقبل هباب» و«الحاضر ضباب» و«المقبل سواد» «وخلاص مفيش كباب» عد من واحد لألف قبل أن يبهت عليك باشمئناطه وينضح عليك باشمئزازه.

■ وحين يداهمك أحد المتسلقين المتملقين بأن القيادة السياسية الحالية منزهة عن الأخطاء، وأن البرلمان يجب أن يكون كله قيادات جيش وشرطة سابقين، وكل صوت منتقد أو متقد أو مستند على خلاف يجب أن يتم إسكاته أو إيقافه أو إقصاؤه، عد من واحد إلى عشرة آلاف قبل أن تضم صوتك لصوته وتغرق فى غياهب صناعة الفراعين واستنساخ الأساطين.

■ عالج نفسك بنفسك. صحيح إن تمكن المادة السياسية من أجسادنا أمر وصل حد الإدمان، لكن الانسحاب التدريجى والنابع من إرادة حقيقية ورغبة فولاذية فى النجاة أمر قابل للتحقيق. قلل عدد ساعات انخراطك اليومية فى غياهب السياسة وينابيع التنظير. اسمع موسيقى، ارسم، تحدث مع أفراد أسرتك، أو اعمل لساعات أطول، وتأكد تماماً أن ما أطالت السياسة عمراً، ولا قصر فى الأعمار طول العمل. (مع الاعتذار لعمر الخيام).

■ سواء كنت محباً للسيسى أو كارهاً له أو مشمأنطاً من إجراء هنا أو قرار هناك، وطالما أنت من أصحاب الأدمغة الرافضة للعنف والمؤمنة بالدولة ذات الحدود والسيادة والعلم والنشيد الوطنى، أى أنك لا تنتمى لجماعة تعتبر نفسها أعظم أو أفضل أو أنقى من غيرها وأطهر من الوطن وأعلى من الهوية، فهذا يعنى أنك مواطن يمكنك المضى قدماً فى عملك أو دراستك دون أن تهب حياتك فداء التنظير أو ثمناً للجماعة.

■ وأخيراً وليس آخراً، الذين يخبطون رؤوسهم ليلاً ونهاراً فى جدران الندم وحوائط البؤس لأن «البلد مافيهاش معارضة»، برجاء المضى قدماً والمشاركة فى الحياة السياسية دون ترديد عبارات مثل «تكميم الأفواه» و«التضييق على الحريات» إلخ، لأنك ببساطة تردد ما يقوله آخرون فقط لا غير. خض التجربة بنفسك وإن تم تكميم فمك أو التضييق على حريتك فتأكد أننا سنتبنى قضيتك وندافع عن حريتك.

فقط.. دع القرف وابدأ الحياة!