«الجمالية»: تاريخ يتصدع.. وبشر مهددون بالزوال

كتب: دارين فرغلى ومها البهنساوى

«الجمالية»: تاريخ يتصدع.. وبشر مهددون بالزوال

«الجمالية»: تاريخ يتصدع.. وبشر مهددون بالزوال

«هذا الحى هو مصر، تفوح منه رائحة التاريخ لتملأ أنفك، وتظل أنت تستنشقها من دون ملل».. هكذا وصف الأديب العالمى نجيب محفوظ فى كلمات قليلة حى الجمالية الذى نشأ فيه، فقد استطاع هذا الحى دون قصد أن يجمع كل الأطياف والطبقات داخله، ففيه الأزهر، وكنيسة العذراء مريم، فيه الباعة الجائلون، وباعة الذهب والفضة، الموظفون والسائحون، وأخيراً فيه بيوت ما زالت صامدة أمام عوامل الزمن، وأخرى لم تعد تقوى على التحمل، فتحولت إلى شقوق. {left_qoute_1}

داخل «درب المسمط» يقف المنزل الذى يسكن فيه حسن وزوجته ولاء وأطفالهما الثلاثة، حالة المنزل لا تحتاج إلى مهندس معمارى ليضع تقريراً، فتكفى نظرة بسيطة عليه من الخارج لتدرك أن هذا المنزل أحد البيوت المهددة بالانهيار فى أى لحظة، وهذا ما أكده «حسن» قائلاً: «أنا ساكن هنا من يوم ما اتولدت واتجوزت هنا والبيت كان بيحصل له مشاكل وتنهار منه أجزاء بس كنت أنا ووالدى بنعمل اللى نقدر عليه عشان نرممه لكن برضه طلع له قرار إزالة».

المسئولون فى الحى وصاحب المنزل طلبوا من «حسن» إخلاء المنزل لأنه مهدد بالانهيار، لكنه لا يملك مكاناً آخر يذهب إليه هو وأسرته.. يقول «حسن»، الذى يعمل خراط معادن: «سألت أحد المهندسين فى الحى أين أذهب أنا وزوجتى وأبنائى إن قمنا بإخلاء المنزل؟ فقال لى اذهبوا إلى أى خيمة من خيم الإيواء، فقلت له وهل ترضى أن تضع زوجتك وبناتك فيها؟ فتركنى وذهب». الصعود إلى المنزل يحتاج الكثير من الحذر فالسلالم معظمها متآكلة، تقول «ولاء»: «إيجار البيت هنا 50 جنيه، واحنا مش معانا فلوس ندفعها إيجار فى مكان تانى، أنا عندى 3 عيال هما أولى بكل قرش»، وبالرغم من ذلك فهى لا تخفى مخاوفها من انهيار المنزل قائلة: «أنا لمّا بنزل أروح أشترى حاجة وأسيب العيال مع جارتى بدعى ربنا إنى لمّا أرجع مألاقيهمش مدفونين تحت التراب».

فى طريقنا للخروج، قابلنا صاحب المنزل، أخذ يروى لنا كيف أنه حاول مرات عديدة إقناع «حسن» وزوجته بإخلاء المنزل، لكنهم لم يفعلوا، وعندما سأله «حسن»: هل ستوفر لى مكاناً بديلاً؟ أجاب: «الحى قال هيديك شقة»، لكن «حسن» نفى الأمر تماماً وأكد أنه على استعداد لترك المنزل فى حال توفر البديل.

تتكئ سيدة ثمانينية على «عتبة» منزلها، تنظر للمارة ذهاباً وإياباً فى انتظار ما لا يجىء، فمنزلها تصيبه الشروخ وطابقه الثانى مبنى من الخشب، لا تشكو من دخول مياه الأمطار إلى منزلها الذى ينخفض مدخله عن مستوى الأرض، ولا تشكو من البرد الشديد الذى تشعر به وزوجها المسن، ولا من أبنائها الذين يعيشون بعيداً عنها ولا يملكون ما يساعد والديهم، لكنها تخشى انهيار المنزل فوق رأسها هى وزوجها، تقول: «إحنا على قد حالنا، ومأجرين البيت من سنين طويلة، وصاحب البيت مرضيش يرممه رغم إن فيه حيطان وقعت علينا، وسمعنا إن الحكومة بترمم البيوت بره عشان الأجانب، لكن إحنا بره الحسبان، وما باليد حيلة، مفيش فلوس، وجوزى راجل كبير وولادى على قد حالهم، صاحب البيت نفسه البيت يقع النهارده قبل بكرة، عشان يبنيه أو يأجره أغلى لناس جديدة».

خطوات بسيطة تفصل بين درب المسمط وحارة القفاصين، حيث بيوت قديمة بعضها أشبه بالآثار، وأخرى تحطم أجزاء منها، يتوسطه مسجد عتيق تم «تنكيسه»على أعمدة حديدية من كل جوانبه، تتجه أصابع الاتهام إليه كأحد أسباب حرمان المنطقة من عمليات الترميم، حيث قال عطية محمد، صاحب أحد المحلات بالمنطقة: «جامع الست حجازية محسوب من ضمن الآثار، وللأسف برغم وصول ترميم البنية التحتية لكل منطقة الجمالية فإننا حُرمنا منها بسبب عدم إمكانية الحفر بجوار أثر، وعلى أساس ذلك لم يقدر أحد على ترميم البيوت اللى هتقع على دماغنا دى، فيه بيوت وقعت بالفعل وفيه بيوت جالها قرارات إزالة منذ التسعينات ومحدش قادر يسيب بيته ولا حد عنده قدرة مادية إنه يرمم أو ينكس البيت».

وعن أزمة جامع الست حجازية قال «عطية»: المكان مهجور وفى الوقت نفسه مستند على أعمدة حديدية منذ عام 1992 ولم يهتم أحد باستكمال ترميمه، فأصبح هو الآخر آيلاً للسقوط هو وما حوله، فإما أن يهتم الحى بمنطقة القفاصين التى عرفت منذ مئات السنين بصناعة الأقفاص وكانت منطقة حيوية وأصبحت ميتة، أو تهتم الآثار بالجامع أو تصدر أى قرار بشأنه حتى نتمكن من إدخال الصرف الصحى إلى البيوت ومن ثم ترميمها قبل سقوطها، بدلاً من أن البيوت عائمة على الصرف فى الوقت الحالى».

لم تنتهِ أزمة المناطق الآيلة للسقوط فى الجمالية عند هذا الحد، حيث يرى كل ساكن أن منطقته هى الأخطر، لكن سكان منطقة العطوف رفضوا الإقرار بخطورة منازلهم خوفاً من طردهم لعدم وجود أى بديل للسكن بعد الإزالة، الأمر الذى أكده ناصر أحمد، صاحب أحد المحلات: «الحى بييجى يطلب من الناس إخلاء البيوت بسبب قرارات الإزالة، والناس مش حابة تقعد فى مكان مهدد لكن بمجرد سؤال المسئولين عن الأماكن البديلة تتضارب التصريحات، إما أن هناك شققاً فى مدينة بدر، ودى مشوارها صعب على كل الصنايعية، أو أنه ليس هناك بديل، فيكون الحل هو انتظار الموت تحت الأنقاض».

 

 

عقارات آيلة للسقوط

 


مواضيع متعلقة