أنتم لا تعرفون الصعيد

حازم دياب

حازم دياب

كاتب صحفي

أنتم لا تعرفون الصعيد، لا تدركون كيف يعيش أهله، ما مصدر رزقهم، أين تكمن المعاناة فى حياتهم، لمن أوجّه حديثى: لكل مسئول/ فنان/ كاتب، ابتعد فى إطار المركزية التى تطغى على البلاد فأصبح الصعيد الذى كان يوماً يحكم هذه البلاد، بعيداً كل البعد عن دوائر صنع القرار، بات مجرّد قطعة جغرافية كبيرة فى الخريطة، وفقرات فى منهج التاريخ يدرسه التلاميذ فى رتابة. يُذكر الصعيد فقط بشراهة حين تندلع حادثة من حوادث الفتنة الطائفية نظراً لتمركز عددى للأقباط فيه، وتعصّب يشوب مناطق عديدة من المنيا و«انت طالع فوق». حديثاً بدأ الناس من جديد يحتارون فى سلوك التظاهرات التى اندلعت فى الأقصر غضباً من تعذيب مواطن حتى الموت داخل قسم للشرطة. ربما لم تكن هناك نفس الحالة من الغضب لدى حالات أخرى، لأنه الصعيد، بكل ما حمل أهله من صمت وكبت صنع طوال الأعوام الفائتة كرة ثلج كبيرة يمكن أن تتدحرج فى أى وقت لتقضى على الأخضر واليابس. عندما أعود لبلدتى، يرى الناس أن عملى بمجال الإعلام يطلبون منى أن أوصل صوتهم المكتوم. يسألنى أبى عن الوزير الصعيدى فى الحكومة أو حتى المحافظ الذى ينتمى لمحافظات قبلية فى بلدانهم، دون أن أجد جواباً مقنعاً.

تريد أن أحكى لك ما لا تقرأه فى الصحف وما جد من حوادث لم أعد أعرفه للأسف لأننى وقعت فى براثن العاصمة التى لا ترحم. مثلاً منذ ثلاثة أعوام، سب قبطى شيخاً فى الشارع سباباً فاحشاً فى إحدى مدن محافظة المنيا، كان الحكم عليه فى «قعدة عرب» أن يبيع بيته ويمشى من المنطقة، وعندما ترجّى القبطى الشيخ، حُكم عليه فى جلسة حضرها قساوسة، بـ51 ألف جنيه.. من يهتم؟ لا أحد. وكنت منذ فترة سمعت عن حفلة للشيخ زين محمود، فى جزويت المنيا، أخبرت أختى الصغيرة، التى تعيش فى عطش تام لأى فعالية ثقافية فى صعيد لا يعرف الثقافة، بأننا سنذهب لحضور الحفلة، هناك قضينا ساعتين ممتعتين، فى مسرح صغير، غنى فيه الشيخ زين ابتهالات دينية، كان الجميع يردد من ورائه «مولاى إنى ببابك قد بسطت يدى» و«رسول الله حاطتنى الذنوب». استغربت أختى الصغيرة كون المكان اسمه الرسمى «مدرسة الآباء اليسوعيين» ورغم ذلك يأتون بمن يغنى لرسول الله، أخبرتها أن المكان يهتم بالثقافة والإنسان دون النظر لدين، وأن الجزويت به مكتبة كبيرة للأدب وبها استعارة. منذ نحو عامين تم حرق الجزويت بفعل إجرامى.

هل تحب سماع قصة عن تصرفات الصعايدة الاجتماعية؟.. سوف أروى لك قصة الرجل الذى شك فى سلوك زوجته، تحدث المحيطون معه عن كون أبنائه الأربعة ليسوا من صلبه، بدأ أهله فى مطالبته بحلق شاربه، وألا يعود إليهم إلا حال أصبح رجلاً. سافر إلى القاهرة، دخل إلى مكان ويداه فارغتان، خرج ومعه كيس جلدى ضخم، تلفت حوله وعاد للصعيد فى أول قطار. أخبر زوجته أن توقظ الأطفال، الذين لم يتجاوز أكبرهم العاشرة، أجلسهم فى الصالة، وأخذ يضرب زوجته ويصفع الصبية، جاء بالكيس الجلدى الضخم، وأخرج منه ثلاثة ثعابين كوبرا ينهش بطونها الجوع، وأغلق عليهم البيت وغادر كاسباً رجولته، ومخلفاً خبراً منزوياً صغيراً فى صفحة الحوادث عن رجل قتل زوجته وأطفاله بالكوبرا عقب شكه فى سلوك زوجته ونسب أطفاله.

التحدث عن حالة الطرق والمواصلات والصحة والخدمات والتعامل من قبل أولى الأمر المزرية -أكثر من أى مكان آخر فى المحروسة- لن يضيف جديداً، لأنه لا يشعر بوطأة الأمر إلا من يعيش فيه، والمشروعات «الحبر على الورق» التى تعلنها الدولة فى الصعيد منذ وعينا على الدنيا لم تزد الصعايدة إلا مزيداً من الإحساس بالتهميش، وإن لم يفصحوا عن ذلك، فالصعيدى لا يبوح إلا لماماً.