الصغيرات وزواج الأغنياء العرب

كمال زاخر

كمال زاخر

كاتب صحفي

قبل أيام نشرت جريدة «الوقائع المصرية» نص قرار لوزير العدل: «يُكلف طالب الزواج الأجنبى من طالبة الزواج المصرية بتقديم شهادات استثمار ذات عائد دورى ممنوح، المجموعة (ب)، بالبنك الأهلى المصرى، بمبلغ 50 ألف جنيه باسم طالبة الزواج المصرية، استيفاء للمستندات المطلوبة لدى مكتب التوثيق، إذا ما جاوز فارق السن بينهما 25 عاماً، عند توثيق عقد الزواج».

ويأتى القرار كمحاولة لتخفيف الآثار المدمرة لحالات تزويج الصغيرات الريفيات وساكنات المناطق العشوائية الفقيرة من كهول من الأغنياء العرب، وقد صار لها مكاتب معلنة لتسويقها، والترتيب لها، واشتهرت بها قرى وعشوائيات بعينها، تنتهى فى غالبها إلى مآسٍ إنسانية تدين المجتمع وتكشف عن واقع يعيش التناقض والازدواجية ويتعايش معهما.

وقامت الدنيا ولم تقعد خاصة فى دوائر حقوق المرأة تندد بالقرار وتدينه وتعتبره تقنيناً للاتجار بالمرأة، وارتفعت أصوات كثيرة تطالب بمنع هذا الزواج لعدم التكافؤ سواء الاجتماعى أو المادى، أو لتوافر عامل الضغط الذى يفقده شرط الرضا فيشوب العقد البطلان.

وقد تناولت واحدة من مؤسسات المرأة الحقوقية هذا بقولها «إنه فى ظل وجود أسر شديدة الفقر تلجأ لتزويج بناتها لرجال أجانب وتكرارها أكثر من مرة كنوع من الاستثمار الدائم لجلب المال مقابل انتهاك كرامة ومستقبل وحياة بناتها، ما يجعلها دعارة مقنعة ورذيلة تصل إلى حد انتهاك وقتل للفتيات الصغيرات القاصرات».

وانتهت إلى أن «هناك ضرورة ملحة أن يسن قانون ويطبق يجرم هذه الممارسة وتصل العقوبة لحد حبس ولى الأمر وكل من يثبت تسهيله هذا التعاقد المسمى (زواج) والمجهض للحق الإنسانى وحق الجسد وكرامة المرأة المصرية».

وأصدرت مؤسسة «قضايا المرأة» مناشدة تطالب الجهات المختصة باستبدال القرار بآليات عمل وقرارات تحد من مشاكل زواج الأجانب من مصريات، كوضع سن معينة للزواج وتقنين الزواج العرفى، واتخاذ الضوابط القانونية والتشريعية اللازمة لحماية المرأة من مخاطر وتبعات ذلك الأمر من خلال آليات عمل وخطة استراتيجية واضحة، نظراً لما ينجم عن بعض تلك الزيجات من اتجار بالنساء.

ومن يقترب من أطراف المعادلة يجد أن الأسر التى ترضخ أو ربما تسعى لهذا النوع من الزواج «الاستثمارى» تعانى من ضغوط الفقر والجهل، بينما الطرف الآخر يملك أن يفى بشرط «الضمان» دون معاناة، لتستمر الأزمة وتستمر المعاناة وربما تتضاعف.

ويصبح السؤال: هل يملك الوزير أو البرلمان إصدار قرار أو تشريع يقضى بتجريم هذا الزواج بحسب مطالبات الكثيرين ممن استنفرهم هذا الأمر، وأمامه ما يحسب قواعد شرعية فقهية حاكمة تقف بالمرصاد لهذا، والواقع المجتمعى، حيث الفقر والجهل، سيقاوم هذا القرار، ونجد أنفسنا أمام دورة جديدة من دورات التحايل، والالتفاف على القرار، فضلاً عن مواجهة الحيتان المحاربين للدولة المدنية وحلفاء الفساد.

نحن بحاجة إلى قدر كبير من المصارحة نقر فيه بأن «الرَّتق» والعلاجات الجزئية والظاهرية صارت جزءاً من الأزمة، وبحاجة إلى قدر من شجاعة المواجهة تقر بأن التقلب بين الحلول المدنية والحلول الفقهية بحاجة إلى حسم، وعلينا أن نجيب بوضوح على سؤال هوية الدولة وهل نحن جادون وصادقون فى خيار مدنية الدولة؟

الخروج من الأزمة يتطلب السير فى خطوط متوازية: تجفيف منابع الفقر والجهل (من خلال رؤية اقتصادية اجتماعية تفعّل دور الدولة والمجتمع)، ودعم المساعى التنويرية (التعليم والإعلام والثقافة)، والتحول إلى الدولة المدنية بشكل متدرج بخبرات الدول التى سبقتنا غرباً وشرقاً (من أوروبا إلى جنوب شرق آسيا إلى أمريكا اللاتينية).

فهل يتصدى البرلمان لهذه القضية بموضوعية وجرأة تدشن لمدنية الدولة؟