ملحمة محمد شويقة

د. لميس جابر

د. لميس جابر

كاتب صحفي

فى تمام الساعة الثانية صباحاً من فجر الثلاثاء الماضى -الموافق 15 من ديسمبر لعام 2015- تخرج قوة مسلحة من الصاعقة المصرية لمداهمة وكر للإرهابيين كان قد تم رصده فى جنوب العريش.. لم يكن دوره قد حان للخروج فى هذه المهمة.. لكنه صمم أن يكون ضمن هذه الفرقة، وأن يكون أحد أفراد هذه المهمة.. محمد أيمن شويقة، المجند الشاب صاحب الواحد والعشرين عاماً، صمم على الخروج فى هذه العملية.. شىء قدرى يدفع «محمد» للذهاب مع زملائه.. صمم.. وذهب.. تحرك معهم فى الظلام.. ها هو الوكر الذى تم رصده، أحد الإرهابيين الخطرين يختبئ داخله.. حاصرت القوة الصغيرة المكان.. تأهبوا لعملية المداهمة.. لا بد أن تصبح سيناء نظيفة من هؤلاء الأنجاس، كان «محمد» فى المقدمة.. فوجئ الإرهابى بالقوة تداهم وكره.. وضع يده على حزامه الناسف الذى يحيط بجسده ليفجره فى وجه الجنود.. اندفع فجأة «محمد» فى اتجاه اللغم البشرى.. بدلاً من التراجع أو الاحتماء بساتر من قوة الانفجار، اندفع كالبرق تجاهه، لم يفكر حتى فى أن يطلق عليه رصاصة سريعة تقضى عليه قبل أن يتمكن من تفجير العبوة.. اندفع محمد أيمن ليحتضن الرجل بحزامه الناسف ويجرى به بعيداً لعدة أمتار قبل أن يتمكن هذا الموتور من ضغط المفجر، صرخ قائده: ارجع يا محمد.. ارجع يا محمد.. نظر للخلف نظرة سريعة خاطفة وابتسم وتقدم محتضناً الموت والنار.. ربما لم تكن صرخات قائده قد تلاشت من سمعه.. وربما لم تكن ابتسامته قد اختفت بعد.. وتحول «محمد» إلى أشلاء فى لحظة.. أخذ كل القوة التفجيرية فى صدره.. فى أحشائه.. فى قلبه الصغير.. لم يفكر لحظة.. لم يتردد.. لم يخف على أمه.. أو أبيه.. أو الإخوة.. لم يتذكر الأصدقاء.. البلد.. القرية الصغيرة.. لم يخش على مستقبل لم يبدأ بعد.. لم تهتز إرادته لثوانٍ تذكر فيها شابة جميلة تنتظره فى قرية الإبراهيمية القبلية، مسقط رأسه ومقر عائلته.. كيف واتته الشجاعة والقوة والسرعة فى التفكير والفعل.. كيف اتخذ قراراً فى لا زمن لمعانقة الموت فداءً لباقى الفرقة.. للزملاء.. الصحبة.. عشرة عامين.. يأكلون ويشربون معاً.. يواجهون الموت معاً كل يوم.. لقد قرر «محمد» أن يكون فداءً لهم.. ولكن هل ضحى «محمد» من أجل زملائه بالفعل؟ هل دفع حياته القصيرة.. شبابه الغض ليحمى زملاءه فقط؟ أم ضحى فى سبيلنا جميعاً.. نحن المصريين.. وهل نحن المصريين جميعاً نستحق هذه التضحية الغالية الفريدة فى نوعها؟.. هل يستحق هؤلاء من يتراشقون من أجل الاستحواذ على البرلمان المقبل؟ وهؤلاء من يتنافسون على رئاسة برلمان لم يكتمل ولم يبدأ بعد؟ وهؤلاء من يفتعلون المشاجرات ويجيدون المزايدات؟ هل يستحق هؤلاء الإعلاميون الذين يصدرون لنا الحوارات الغريبة والمشاكل الشخصية التى لا تهم أحداً؟ وهؤلاء من يتلاسنون ويسبون بعضهم البعض ويحاربون بسلاح التسريبات ويهددون بالفضائح؟.. هل نستحق نحن هذه التضحية وقد انشغلنا بالتحرش والصور الفاضحة وطليقة ابن الفنانة الشهيرة والراقصة التى تحتسب نفسها شهيدة إذا ماتت وهى خارجة تسعى للرزق؟ هل يستحق أى من الذين يتمنون خراب هذا الوطن هذه التضحية بينما هم قابعون أمام الشاشات فى منازلهم بجوار المدفأة وبأيديهم الموبايل واللاب توب يفكرون فى أفضل مكان لقضاء ليلة رأس السنة المقبلة؟.. هل يستحق أى من النخبة المشغولة بنشر السواد على مستقبل مصر المقبل وتعميق الإحساس بالتشاؤم؟.. لا أظن.

ربما يستحق تضحيتك يا «محمد» هؤلاء الكادحون فى قرى مصر من شمالها لجنوبها وكل من أخلص لهذا البلد الذى يستحق التضحية.. ربما يستحق هؤلاء الشباب «رواد تويتر» الذين ظلوا على مدى يومين ينعون فيك الرجولة والنخوة والشجاعة.. وبالتأكيد فى مصر الملايين ممن يستحقون هذه التضحية.. سطرت ملحمة وطنية كاملة بمفردك يا محمد.. ولكننا سوف ننساك وننشغل بشريط الأخبار.. عاجل عن حالة الطقس.. ينتاب البلاد طقس غير مستقر وأمطار على شمال البلاد والقاهرة.. عاجل: بوادر معركة بين الطلاب والحكومة بسبب نتائج انتخابات اتحادات الطلبة.. التصعيد فى سد النهضة.. مسار الحوار الوطنى الليبى.. قانون الصحافة.. الطائرة الروسية.. الأهلى يعترض على شئون اللاعبين.. الحكومة تناقش قانون الإعلام.. استشهاد مجند فى العريش أثناء مداهمة أحد أوكار الإرهابيين.. أهالى دمياط يشيعون جثمان الشهيد بالزغاريد.. وفى اليوم التالى سوف نقرأ.. قبلات أبلة فاهيتا للفنانين فى الحلقة المقبلة.. لك جنة الخلد يا محمد شهيداً وبطلاً.. ولنا الهيافة والتفاهة وضجيج أعداء الوطن.