الناطور.. ولا العنب

دعا الرئيس محمد مرسى، المنتخب من الشعب بعد معركة انتخابية طاحنة، القوى السياسية إلى الحوار، ولم يضع أى شرط مسبق للحوار، لكن الذين لم يحوزوا ثقة الشعب فى الانتخابات أو لم يدخلوا الانتخابات من الأصل، رفضوا المشاركة فى الحوار إلا بعد أن «يذعن» الرئيس ويحقق شروطهم! (إذا وافق الرئيس على شروطهم مسبقاً فما الداعى للحوار؟). دعا الرئيس قوى سياسية مختلفة، فرفض من رفض، وحضر من حضر، فلما اتفق الحضور على إلغاء الإعلان الدستورى، ووافقوا على إجراء الاستفتاء على الدستور فى موعده، ووافق الرئيس على ما انتهوا إليه، قيل إن الرئيس جمع من يتفقون معه فى الرأى ولم يأخذ برأى معارضيه! (يا مثبت العقل!) فى الأزمة الحالية بين السلطة والمعارضة أمامنا ثلاث مسلَّمات: - رئيس منتخب، أى أن معه تفويضاً شعبياً لإدارة شئون البلاد لمدة أربع سنوات. - قوى سياسية نالت الأغلبية فى آخر انتخابات لمجلسى الشعب والشورى، تؤيد سياسة الرئيس وتدعمه. - معارضة تمثل أقلية بسيطة وفق ما أفرزته آخر انتخابات برلمانية ورئاسية ترفض سياسات الرئيس. والكل يقول إن الشارع معه، والجماهير من خلفه، حتى الطير والشجر، والنيل والبحر، والأرض والهواء. طيب ماذا نفعل؟ إذا قلنا نحتكم إلى نتائج آخر انتخابات برلمانية ورئاسية لنعرف من يملك الشعبية، رفضت المعارضة الاحتكام إلى تلك النتائج. وإذا سلمنا بأن المزاج الشعبى قد تغير، وأن تأييد الرئيس قد انحسر، فما المقياس فى ذلك؟ إذا كانت المظاهرات هى المقياس فقد رأينا أن المظاهرات المؤيدة للرئيس تجمع أضعاف أضعاف أعداد المظاهرات المناهضة، وكل استطلاعات الرأى أظهرت أن الغالبية تؤيد الرئيس، مع تسليمنا بأن هذه الاستطلاعات غير دقيقة علمياً. وحتى لو كانت مظاهرات المعارضة «جامدة وشديدة»، والاستطلاعات لصالح المعارضة، فهل رأيتم رئيساً تتم الإطاحة به بعد كل مظاهرة أو استطلاع رأى؟ ما نراه فى الدول الديمقراطية أن الرؤساء يبقون فى سلطتهم حتى انتهاء مدتهم، فإذا انخفضت شعبيتهم لا يعاد انتخابهم. وإذا سلمنا أن شعبية الأحزاب المؤيدة للرئيس قد انخفضت فلنا أن نسأل السؤال نفسه: ما دليل ذلك، إذا كانت مظاهراتها تظهر العكس؟ وإذا كانت شعبية المؤيدين للرئيس قد انخفضت فإن المنطق يقول إن من مصلحة القوى المعارضة اللجوء للشعب فى هذه اللحظة بالذات، فهى اللحظة المناسبة لإظهار الحجم الحقيقى للقوى المختلفة، أى إن من مصلحة المعارضة اللجوء للاستفتاء الآن، وستظهر نتيجة الاستفتاء حجم الدعم الشعبى الذى يحظى به كل فريق. لكن المعارضة ترفض الاستفتاء، وتسوق لذلك حجة غريبة تقول إن ما بُنى على باطل فهو باطل، ولا أدرى ما هو الباطل ومن حكم عليه بذلك؟ ولماذا؟. يقول المثل اللبنانى: «بدك الناطور ولا العنب»، أى هل تريد الوصول إلى العنب الموجود فى الحديقة أم تريد مواجهة الناطور وهو حارس الحديقة؟ من الواضح أن المعارضة عندنا ليس هدفها الوصول إلى العنب الذى يمثل الاستقرار وبناء المؤسسات، ولكنها تستهدف افتعال مواجهة مع الناطور وتحقيق الانتصار عليه، فالمهم أن تكون هى الناطور، حتى لو احترق «الكرم» وتلف العنب!