«سبوبة» فساد.. أم «عفريت» الحكومة..؟!

لن نتسرع ونصفها بأنها قضية فساد كبيرة كانت أو صغيرة.. ولن نعتبرها وقائع لاستغلال النفوذ، أو نراها محاولة للتربح غير المشروع.. ولن نحكم عليها بأنها «سوء تخطيط إن لم يكن انعدامه.. سنترك الحكم فى النهاية لكل من يكمل قراءة السطور التالية التى فجرها مقال الكاتب الصحفى الشاب محمد الدسوقى ونشرته جريدة «الوطن» يوم الأربعاء 21 يناير الحالى.

سطور تقطر دهشة من تصرفات الحكومة تلك التى كتبها «الدسوقى» تحت عنوان «شبكات سيئة السمعة»، والتى لا أرى أى سبب لها «أى الدهشة».. إذ كتب عن مشروع إنشاء محطة لمعالجة الصرف الصحى بالعاشر من رمضان:

«نعيش فى عرض كل مليم وجنيه من أجل بناء مصر، ومع ذلك مؤسسات الدولة الحكومية أنفقت 600 مليون جنيه لإنشاء محطة لمعالجة الصرف الصحى بالعاشر من رمضان، أمر جميل حقاً أن تهتم بالبنية التحتية، ولكنه لن يكون جميلاً أبداً حينما تعرف أن المشروع تم استبداله وإهدار كل هذه الملايين!!».

هكذا كتب «الدسوقى».. ويبدو أنه أسقط من حساباته أن ما أقدم عليه المسئول عن هذه «الواقعة» يدخل تحت «الموروث الثقافى» لمسئولى حكوماتنا التى تتمتع بموهبة فطرية فى إهدار ملايين الجنيهات دون أن يهتز لها رمش.. ولا أعتقد أن أحداً يمكن أن يختلف حول تلك الحقيقة‏!!‏

دلائل كثيرة تكشف عن تلك الحقيقة، فمثلاً بعد عدة شهور من توليه منصب «وزير العدل» فى عام 2006 أصدر المستشار ممدوح مرعى قراراً بإغلاق «مجمع محاكم العامرية» بعد يومين فقط من افتتاحه؛ وذلك حفاظاً على صحة وسلامة القضاة ووكلاء النيابة والمحامين والمتقاضين بعد أن اكتشف أن المجمع أقيم بجوار مستشفى الجذام، مما يشكل تهديداً مباشراً لصحة المترددين عليه‏!!‏

قرار «مرعى» يستحق التحية غير أن قرار سابقه المستشار محمود أبوالليل بإقامة «المجمع» بجوار المستشفى يدخل ضمن «موهبة الحكومة» -التى كانت تصف نفسها فى ذلك الوقت بالـ«الذكية»- فى إهدار الملايين من أموال دافعى الضرائب من المواطنين وتهديد صحتهم‏!!‏

بالتأكيد لم يظهر «مستشفى الجذام» فجأة ليجاور مجمع المحاكم بعد بنائه، بل كان مقاماً قبل أن تقرر وزارة العدل إقامة المجمع‏.. وبالتأكيد لم يكلف المستشار أبوالليل أجهزة وزارته بسؤال أى «حكيمة» فى أى مستوصف -ولا أقول طبيباً- عن مدى خطورة «مرض الجذام» أو سرعة انتقال عدواه قبل أن يتخذ قراره بإقامة المجمع‏.. ولا أدرى بالطبع كم تكلف هذا المجمع الذى أغلق بعد يومين فقط من افتتاحه‏.. ‏فبالتأكيد عشرات الملايين بأقل تقدير‏!‏

إهدار ملايين الأموال يبدو أنه بالفعل موهبة حكومتنا التى تحولت إلى هواية أو بمعنى أصح إدمان‏.. إذ قبل عدة سنوات حرصت الحكومة على إهدار نحو ‏11‏ مليار جنيه فى مشروع اسمه فوسفات أبوطرطور الذى يبدو أنها كانت ترانا «أبناءه»!!‏

فى عام 2006 قرر الدكتور أبيض زى الفل -كما كان كاتب هذه السطور يصف الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء وقتها- فجأة إزالة «جراج سيارات رمسيس» بعد أن تكلفت مبانيه نحو 40‏ مليون جنيه‏، بعد أن اكتشف أن وجوده فى هذا المكان لا يتماشى مع التنسيق الحضارى للميدان‏.. ولا يهم بعد ذلك تلك الملايين المهدرة‏!!‏

فى وقت متزامن مع هذا «الحدث» قرر أحمد الليثى، وزير الزراعة وقتها، بيع مبنى «بنك التنمية والائتمان الزراعى بالدقى» فور الانتهاء من بنائه.. ولأسباب خارجة عن إرادته توقفت عملية بيع المبنى الذى تكلف ملايين الجنيهات.

لن نسأل كم فرصة عمل كان يمكن أن توفرها تلك الملايين التى تفننت الحكومة فى إهدارها؟‏ سواء فى مشروع «الصرف الصحى بالعاشر من رمضان أو مجمع المحاكم أو جراج رمسيس ومن قبلها جميعاً أبوطرطور».. كم مدرسة كان يمكن إنشاؤها؟‏.. كم مستشفى‏.. كم مصنعاً‏.. ‏وكم قرية كان يمكن أن تدخلها الكهرباء‏ أو الصرف الصحى‏ أو مياه الشرب النقية‏.. وكم‏.. وكم‏.. وكم‏..!!‏ كل ما نعتزم السؤال عنه هو‏: لماذا لا يقدم المسئول‏ عن إهدار الأموال العامة -أياً يكون موقعه- إلى المحاكمة وهى وقائع تندرج تحت ظاهرة الفساد، اللهم إذا كان هناك «عفريت» يظهر للحكومة فى كل مشروع‏!!‏

الخوف كل الخوف أن تكون الحكومة لا تزال تحتفظ بموهبتها هذه، وأن يأتى يوم تستخدم فيه ذكاءها المعهود وتكتشف فجأة أن فندق «مينا هاوس» قد بنى فى منطقة الأهرامات وأنه لا يتوافق مع «جلال المشهد التاريخى».. فلا تتردد إما فى هدمه أو إزالة الأهرامات نفسها.. أو نقل أحدها إلى موقع آخر!!‏