الساسة المبجلون.. فى بلدنا المصون.. ما زالوا يعاندون.. وعلينا يضغطون.. أينما نكون.. فى مصر أو أى بقعة من هذا الكون. لا فرق بين المصريين فى الداخل والخارج. جميعهم يشعر بالقلق على الوطن بعد أن انقسم على نفسه وبات بسبب الأداء المزرى للحكم والمعارضة على مفترق طرق: إما السقوط وإما النجاة. ويتعرض المصريون فى الخارج لضغوط بالغة وهم يتابعون إخوانهم فى الداخل ومصر كلها وهم يعيشون مخاطر غير مسبوقة. يضاعف إحساسهم بالقلق أن المصادر التى يكوِّنون انطباعاتهم من خلالها، وهى وسائل الإعلام، تَعرِض الأمور بشكل يزيد الإثارة إثارة ويبث الرعب فى القلوب. والخوف على الوطن بادٍ على الجميع: مَن فى الداخل ومَن فى الخارج. لكنه يبلغ حد الرعب لدى البعيدين عنه، خاصةً أن أكثرهم يعوض بالخيال المتشائم ما لا يستطيع أن يراه رأى العين.
ويأخذ الضغط على المصريين فى الخارج صوراً متنوعة. أولاها انتقال حالة الاستقطاب من الداخل إلى أوساط بعض المصريين المقيمين خارجها. مغتربون مع الإخوان وآخرون ضدهم.. مع مسودة الدستور وضدها.. مصريون مع التيار السلفى وآخرون مع التيار الليبرالى. هناك بعض لا يزال قادراً على النأى بنفسه عن هذا الاستقطاب، وآخرون تحولوا بسببه إلى جزر منعزلة لا يتواصلون بعد أن كانوا يتوادون.
صورة أخرى للضغط والمخاوف تتمثل فيما يقوله بعضهم من أنه بات يخشى بسبب المشاهد المؤلمة التى يراها فى شوارع الوطن أن ينتهى حلمه الجميل فى العودة إليه بعد رحلة اغتراب طويلة، بل ويخشى بعضهم أحياناً من أن يصبح لاجئاً، شأنه شأن لاجئين كان يشاهد صورهم فى مناطق أخرى من العالم ولم يكن يتخيل يوماً أنه قد يصبح مثلهم.
صورة ثالثة تجسدها شكوى البعض من أن حكومة الوطن لا تحسن معاملتهم. نظرت إليهم على أنهم مجموعة ممولين يوفرون للوطن حصيلة معتبرة من النقد الأجنبى، ثم زادت مؤخراً عندما اعتبرتهم فئران تجارب. ويضربون مثالاً على ذلك بالاستفتاء على مسوّدة الدستور التى أحس البعض منهم بأن الحكومة المصرية باستعجالها تصويت المصريين فى الخارج إنما أرادت أن تختبر بردة فعلهم وحجم إقبالهم آفاق قرارها فى الداخل، بتأجيل أو إلغاء الاستفتاء أو السير فيه.
صورة أخرى للأسى يعيشها المصريون فى الخارج بسبب ما تتعرض له مكانة مصر من جرح أمام العالم. وهم أول من يدفعون ثمن تلك الصورة السلبية. فهم فى مرمى النقد المباشر ومحل الاحتكاك اليومى مع جنسيات أخرى يعيشون فى كنفها أو بينها. وإذا كان البعض يُبدى تفهمه وتعاطفه مع الملمات التى تعصف بمصر، فإن البعض الآخر يُبدى شماتة تضاعف عذابات المشاعر لدى هؤلاء المغتربين، وبالذات لدى أبنائهم صغار السن الذين قد لا يتحمل بعضهم، ولو حتى كلمة نقد بسيطة تبدر فى حق بلدهم عفواً كان أو قصداً.
المصريون فى الخارج ليسوا إلا امتداداً للمصريين فى الداخل. يعيشون هموم الوطن ويتعرضون لما يتعرض له إخوانهم أينما كانوا. كانت حالتهم المعنوية فى عنان السماء يوم سقوط مبارك. راودهم الأمل فى مصر مختلفة. فراحوا يقدمون مقترحاتهم ويعبرون عن استعدادهم غير المشروط لتقديم كل ما لديهم من مال وخبرة لإعادة الوطن إلى المسار السليم. لكن الطريقة الرديئة التى أديرت بها العملية الانتقالية، والتى بدأت مع العسكر ثم استمرت بعد رحيلهم نقلت إليهم الاستقطاب والخوف وأحياناً اليأس. والعلاج لن يبدأ إلا فى الداخل. وكل عاقل عليه أن يساعد وأن يُبصّر أهل الرأى والقرار بأن مشكلات مصر الكبيرة لو انتقلت عبر الحدود فلن ترحم لا المصريين فى الداخل ولا الخارج.
وصل الكلام؟