ليبيا وفزَّاعة التدخل العسكرى

جمال طه

جمال طه

كاتب صحفي

«المجلس الرئاسى» الليبى الذى تشكل بموجب اتفاق الصخيرات، يعمل من تونس، لعجزه عن دخول طرابلس، بسبب خضوعها للميليشيات، وموقف المؤتمر الوطنى الرافض للاتفاق.. وبرلمان طبرق رفض التشكيل الموسع لحكومة الوفاق، وتحفظ على المادة الثامنة المتعلقة بالمناصب المدنية والعسكرية والأمنية العليا، ضارباً بآليات التعديل -الواردة بالاتفاق- عرض الحائط، مما يهدد بانهياره.. أول قرارات «المجلس» تشكيل لجنة لإجراء الاتصالات، ووضع الترتيبات الكفيلة بتأمين دخول الحكومة للعاصمة، لممارسة مسئولياتها.. وهى مهمة شبه مستحيلة، لأن الصفقات مع الميليشيات تضع الحكومة رهينة لها.. التنظيمات الرافضة وزعت الأدوار بين قياداتها؛ التاريخى منها -مثل عبدالحكيم بلحاج القائد السابق للجماعة المقاتلة «الموالى للقاعدة»- انخرط فى العملية السياسية، والتنفيذى يُعِد مخططات التفجير والإرهاب، ليحقق بها ما تعجز الدبلوماسية عن تحقيقه.. أما الميليشيات التى رحبت بالحكومة مثل «كتائب مصراتة» فتشترط عدم المساس بوضعها، وهى نفس الإشكالية التى واجهت حكومة على زيدان، فعندما أوقف عنهم التمويل، خطفوه!!، ورغم العجز عن مواجهة الإرهاب، رفض أحمد معيتيق نائب الرئيس أى تدخل أجنبى.. إذن، أين المفر؟!.

الغرب يعول على نجاح حكومة الوفاق فى تولى مهامها، من داخل العاصمة، والسيطرة على المؤسسات السيادية، خاصة البنك المركزى، لوقف تمويل الجماعات المسلحة، لذلك شرع فى تنفيذ خطة تهويل وترهيب وتهديد، لدفع أطراف العملية السياسية للمرونة استناداً لمحورين:

الأول: ترويج أخبار «ملونة» لمضاعفة التخوفات من قوة داعش؛ انتقال قيادة التنظيم برئاسة أبوبكر البغدادى لسرت.. تأسيس قيادة مختصة بتنفيذ العمليات ضد الغرب، بدأت بعملية باريس.. وصول قوته العددية لـ5000 مقاتل، وهو رقم يقترب من ضعف القوة الفعلية.. تدريب المقاتلين على قيادة الطائرات قرب مطار سرت!!.. تحذير كليف جونستون قائد بحرية «الناتو» من سعى «داعش» لامتلاك أسطول بالمتوسط، لشن هجمات انتحارية ضد سفن التجارة والسياحة ومنصات النفط!!.. اتصالات مع القاعدة والإخوان لتشكيل «مجلس شورى» موحد لمواجهة حكومة الوفاق.. داعش تسيطر فى الشرق على شريط ساحلى يمتد من شرق بنغازى حتى درنة بطول 300 كم، وفى الغرب بطول 250 كم من سرت حتى بن جواد، وبعض مناطق صبراتة ومصراتة وصرمان بمحيط طرابلس، وتسعى لاحتلال طريق «أجدابيا - البريقة» لعزل قوات حرس المنشآت البترولية، تمهيداً لاحتلال المثلث النفطى «البريقة - رأس لانوف - أجدابيا»، لتوفر مصدر للتمويل يسمح لها بالانطلاق لقلب القارة الأفريقية.

الثانى: التهديد بشن حرب شاملة على الإرهاب، تتحمل حكومتا طبرق وطرابلس تبعاتها، أسوة بالجماعات المسلحة؛ نيويورك تايمز كشفت أن فرق العمليات الخاصة الأمريكية والبريطانية تنفذ منذ شهور مهام سرية بليبيا، لتحديد زعماء المسلحين، ورسم خريطة لشبكاتهم، ومحاولة استمالة حلفاء من بينهم.. تكثيف البنتاجون لعمليات جمع المعلومات، تمهيداً لشن غارات جوية وعمليات خاصة.. أمريكا اتخذت قراراً بالحرب، وأوباما طلب تفويضاً من الكونجرس، والجنرال جوزيف دانفورد رئيس الأركان الأمريكى تلقى تفويض أوباما باستخدام القوة ضد داعش، ومنع تواصلها مع الجماعات المسلحة فى أفريقيا، ثم زار بريطانيا وفرنسا وإيطاليا لإعداد مسرح العمليات.. القيادة العسكرية الأمريكية فى أفريقيا (أفريكوم) أعلنت تضمن خطة عملها خلال السنوات الخمس المقبلة التدخل العسكرى فى ليبيا، وإحكام الخناق على الجماعات الإرهابية.. وصول عناصر من مخابرات القوات الجوية البريطانية «sas» إلى ليبيا، لتحضير الأرضية وجمع المعلومات الضرورية تمهيداً لقدوم القوة العسكرية للحلفاء «أمريكا، إيطاليا، فرنسا وإسبانيا».. الطيران الفرنسى ينفذ طلعات تجسس وتدريب فوق ليبيا وأمام سواحلها، مستخدماً طائرات التزوّد بالوقود C135k، استعداداً لتنفيذ طلعات قتالية انطلاقاً من قاعدة «مادما» فى النيجر، ومدرعات الجيش الفرنسى تنتشر بصحراء شمال أفريقيا، لقطع طرق تحرك الإرهابيين والمهربين.. تمركز المقاتلات الإيطالية «AMX» وطائرات Predator بدون طيّار» فى صقلية، وتنفيذ طلعات فوق درنة.

تنفيذ خطة الترهيب يستهدف الضغط، لانتزاع اعتراف أطراف العملية السياسية بالحكومة، التى يمكن أن تمنح الشرعية للتدخل، أما التدخل قبل ذلك فإنه يُسقِط اتفاق الصخيرات، سيناريو التدخل يتم دراسته منذ شهور؛ أهم ضوابطه الحد من الخسائر البشرية لقوات الحلفاء، وهو ما أكدته فيدريكا موجرينى مفوضة السياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبى بأنه «لن يكون هناك تدخل على الأرض»، ويعنى ذلك الاعتماد على القصف الجوى والبحرى والصاروخى، مع ما يؤدى له من خراب، وإضرار بالمدنيين، ويفرض ذلك الاستعانة بقوات برية محلية، مما يفسر التراجع عن إبعاد حفتر، وقبول إدماجه ضمن العملية السياسية، بعد إضعاف موقفه، ليسهل تطويعه، بالانشقاق الذى نفذه محمد حجازى المتحدث الرسمى للجيش، وعدد من أمراء وقادة المحاور، وتوتر علاقته بإبراهيم الجضران قائد قوات حرس المنشآت النفطية، التابع تنظيمياً للجيش، المستقل عنه إدارياً.. الاتفاق مع كتائب مصراتة، وبعض تشكيلات فجر ليبيا يستهدف أداء دور مماثل بالمنطقة الغربية، أما من خارج ليبيا فقد عكست زيارتا لويد أوستن قائد القيادة المركزية الأمريكية، وجون برينان مدير المخابرات للقاهرة، أن هناك تعويلاً على دور مصر، إلا أنها تحفظت على التدخل الخارجى، وتمسكت بضرورة تعزيز قدرات الجيش والحكومة للاضطلاع بمهامهما فى استئصال الإرهاب، المغرب وافق على تقديم الدعم اللوجيستى، بعد زيادة أعداد متطوعيه للانضمام لداعش، وهناك تنسيق وتعاون مخابراتى مع الجزائر، خاصة بعد تبنى داعش التفجير الانتحارى بعين الدفلى غرب العاصمة.

العمليات ستقتصر على استهداف جوى مكثف لقادة داعش -على نحو ما تم فى نوفمبر الماضى بقتل أبونبيل العراقى- ولمعسكراتها ومخازن أسلحتها، وتقديم الاستشارات والتدريب للقوات الليبية.. الدائرة السياسية بالاتحاد الأوروبى، اقترحت دفع تشكيلات عسكرية لتأمين المطارات والمبانى الحكومية، ومراقبة وقف محتمل لإطلاق النار، لكن ذلك لم يتم إقراره.. الخطة تشتمل على بُعد غير عسكرى؛ يتضمن تدريب وتجهيز حرس الحدود والسواحل لتأمين منافذ الدولة، بسط الأمن فى طرابلس، نزع السلاح، تطهير الألغام، إعادة المهاجرين لمواطنهم الأصلية، تنظيم السياسة الإعلامية، إعادة بناء المؤسسات، ودعم قدرة الحكومة على إدارتها، وتشغيل المرافق العامة، التدريب والمشورة والدعم الفنى لشئون الحكم المحلى والصحة والإعلام.. ورغم طموح الخطة لم يعتمد لها الاتحاد الأوروبى سوى 100 مليون يورو، ما يعكس نية السيطرة على قطاع البترول لتوفير مصادر تمويلها!!.

أمريكا تتعجل التدخل، حتى لا تترك لروسيا فرصة التواصل مع حكومة الوفاق، لاستعادة وجودها القديم فى ليبيا، لكن أهدافها لن تتجاوز «منع تمدد «داعش»، دون إنهاء الدور الذى تأسست لأدائه بالمنطقة».. مكررة نفس أخطاء ضرباتها فى العراق وسوريا قبل التدخل الروسى.